إن بداية الحقيقة لفهم الكتاب هي معرفة تعلق الوجود خلقا وأمرا بأسماء الله الحسنى والصفات العلي، وارتباطه بها، وأن العالم بما فيه ما هو إلا آثارها ومقتضياياتها، وتلك هي أخطر القضايا السلفية التي ينبثق عنها التصور الإسلامي الصحيح عن الخلق والوجود.
وقد تميز ابن القيم بتبني هذه القضية بصورة واضحة وكاملة من خلال مجموع كتاباته مما يجعل النقل عنه في عرضها أمرا مفيدا فيقول في كتابه (مدارج السالكين) في مشهد الأسماء والصفات (وهذا من أجل المعارف وأشرفها) ، وكل اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة، فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال، وكل صفة لها مقتضى وفعل إما لازم أو متعد، ولذلك الفعل تعلق بمفعول وهو من لوازمه، وهذا في خلقه وأمره وثوابه وعقابه، كل ذلك آثار الأسماء الحسنى وموجباتها.
ومن المحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها، وتعطيل الأوصاف عما تقتضيه وتستدعيه من الأفعال، وتعطيل الأفعال عن المفعولات، كما أنه يستحيل تعطيل مفعوله عن أفعاله، وأفعاله عن صفاته؛ وصفاته عن أسمائه، وتعطيل أسمائه عن ذاته.
وإذا كانت أوصافه كمالا، وأفعاله حكما ومصالح، وأسماؤه حسني، ففرض تعطيلها عن موجباتها مستحيل في حقه، ولهذا ينكر سبحانه على من عطله عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه وأنه بذلك نسبه تعالى إلى ما لا يليق به وإلي ما يتنزه عنه، وأن ذلك حكم سيء ممن حكم به عليه، و أن من نسبه تعالى إلى ذلك فما قدره حق قدره ولا عظمه حق تعظيمه، كما قال تعالى في حق منكري النبوة، وإرساله الرسل وإنزال الكتب: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) .
وقال تعالى في حق منكري المعاد والثواب والعقاب: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) .
وقال في حق من جوز عليه التسوية بين المخلفين كالأبرار والفجار والمؤمنين والكفار: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) ، فأخبر أن هذا حكم سيء لا يليق بأسمائه وصفاته.
وقال سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ)، عن هذا الظن والحسبان الذي تأباه أسماؤه وصفاته.
ونظائر هذا في القرآن الكريم كثيرة ينفي فيها عن نفسه خلاف موجب أسمائه وصفاته إذ ذلك يستلزم تعطيلها عن كمالها ومقتضياتها.
فاسمه (الحميد، المجيد) يمنع ترك الإنسان مهملا معطلآ لا يؤمر ولا ينهي ولا يثاب ولا يعاقب، وكذلك اسمه (الحكيم) يأبي ذلك، و (الملك) ، واسمه (الحي) يمنع أن يكون معطلآ من الفعل بل حقيقة (الحياة) الفعل فكل حي فعال، وكونه سبحانه (خالقا، قيوما) من موجبات حياته، واسمه (السميع، البصير) يوجب مسموعا مرئيا، واسمه (الخالق) يقتضي مخلوقا، وكذلك (الرازق) ، واسمه (الملك) يقتضي مملكة وتصرفا وإعطاء ومنعا وإحسانا وعدلآ وثوابا وعقابا، واسمه
(البر، المحسن، المعطي، العفو) ، فلا بد لهذه الأسماء من متعلقات، ولا بد من جناية تغفر وتوبة تقبل وجرائم يعفي عنا، ولا بد لاسمه (الحكيم) من متعلق يظهر فيه حكمه إذ اقتضاء هذه الأسماء لآثارها كاقتضاء اسم (الخالق، الرازق، المعطي، المانع) للمخلوق والمرزوق والمعطي والممنوع، وهذه الأسماء كلها حسني.