مجالات الإظهار:
اتفقنا أن لا رتباط الخلق بالأسماء والصفات مقتضيات في الواقع، وقد ارتبط ثبوتها بمجالات الخلق ارتباطا مباشر ومن هنا لزم لكي نفهم تلك المقتضيات تقسيم الخلق والوجود ثلاثة أقسام:
1)المجال الكوني.
2)المجال البشري.
3)علامات الساعة.
والواقع أن القسم الأول من الكتاب كان تفسيرا مباشر لهذه المجالات الثلاثة؛ وذلك من خلال مناقشة موضوع ارتباط الخلق بالأسماء والصفات، ومفهوم الإظهار، والأصول الثلاثة وهي التنوع والتقابل والتوازن.
ولكنا في هذا القسم نضيف إلى كل مجال من هذه المجالات ما يتعلق بها من حقائق بصفة مستقلة مباشرة؛ إذ أن ارتباط قضية الأسماء والصفات بكل مجال من هذه المجالات بتلك الصفة المستقلة المباشرة سيكون مصدرا ذاتيا لأفكار الكتاب وحقائق موضوعة.
1)المجال الكوني:
والحقيقة الأساسية في ارتباط قضية الأسماء والصفات بالمجال الكوني هو صدور الخلق والأمر عن أسماء الله الحسنى مما يحقق توافق بينهما يقتضي الفهم والدراسة.
وقد ناقش ابن القيم هذا التوافق فعقد عدة مقارنات معبرا عن الخلق والأمر بكلمة الطبيعة والشريعة فقال تحت عنوان: مقارنة بين الطبيعة والشريعة من حيث التعليل والأسباب والحكم:
وفيها يقول ابن القيم ردا على نفاة التعليل والأسباب والحكم وحسن الأفعال وقبحها من خلال إثبات وحدة القواعد الفقهية والطبية: يقولون ما ثم إلا محض المشيئة، لا أن بعض الأعمال يبطل بعضها وليس فيها ما هو قبيح بعينه حتى يشبه بقبيح آخر، وليس فيها ما هو منشأ لمفسدة أو مصلحة تكون سببا لها، ولا لها علل غائبة هي مفضية إليها، وإنما هي متعلق المشيئة والإرادة والأمر والنهي فقط.
والفقهاء لا يمكنهم البناء على هذه الطريقة البتة؛ فكلهم مجمعون إذا تكلموا بلسان الفقه على بطلانها؛ إذ يتكلمون في العلل والمناسبات الداعية لشرع الحكم، ويفرقون بين المصالح الخالصة والراجحة والمرجوحة، والمفاسد التي هي كذلك، ويقدمون أرجح المصلحتين على مرجوحهما، ويدفعون أقوي المفسدتين باحتمال أدناهما، ولا يتم لهم ذلك إلا باستخراج الحكم والعلل ومعرفة المصالح والمفاسد الناشئة من الأفعال ومعرفة أسبابها.
وكذلك الأطباء لا يصلح لهم علم الطب وعمله إلا بمعرفة قوي الأدوية، والأمزجة، والأغذية، وطبائعها، ونسبة بعضها إلى بعض، تأثير بعضها في بعض، وانفصال بعضها عن بعض، والموازنة بين قوة الدواء وقوة المرض، ودفع الضد بضده، وحفظ ما يريدون حفظه بمثله ومناسبة. فصناعة الطب وعمله مبني على معرفة الأسباب والعلل والقوي والطبائع والخواص فلو نفوا ذلك وأبطلواه وأحالوا على محض المشيئة وصرف الإرادة المجردة عن الأسباب والعلل، وجعلوا حقيقة النار مساوية لحقيقة الماء، وحقيقة الدواء مساوية لحقيقة الداء، ليس في أحدهما الخاصية ولا قوة يتميز بها عن الآخر، لفسد علم الطب، ولبطلت حكمة الله فيه، بل العالم مربوط بالأسباب والقوي والعلل الفاعلية والغائية، وعلى هذا قام الوجود بتقدير العزيز العليم [1] .
(1) مدارج السالكين ص 184 ج 1