هذا وقد ربط الله الأسباب بمسبباتها شرعا وقدرا فجعل الأسباب محل حكمته في أمره الديني والشرعي وأمره الكوني والقدري ومحل ملكه ومقدراته، فإنكار الأسباب والقوي والطبائع جحد للضروريات، وقدح في العقول والفطر، ومكابرة للحق، وجحد للشرع والجزاء، فقد جعل سبحانه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، والثواب والعقاب، والحدود والكفارات، والأوامر والنواهي، والحل والحرمة كل ذلك مرتبطا بالأسباب قائما بها، بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه، بل الموجودات كلها أسباب ومسببات. والشرع كله أسباب ومسببات والمقادير أسباب ومسببات والقدر جاء عليها متصرفا فيها فالأسباب محل الشرع والقدر.
والقرآن مملوء من إثبات الأسباب كقوله: (بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، (بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) ، (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ) ، (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) ، (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) ، (جَزَاءً وِفَاقًا) ، (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) ، (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ) . فالسببية هي الصيغة الكونية المحققة لحقائق الإظهار والأسباب والوسائط والعلل محل أذكار المتفكرين واعتبار الناظرين ومعارف المستدلين (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) .
وكم في القرآن من الحث على النظر والاعتبار بها، والتفكر، وذم من أعرض عنها، والإخبار بأن النظر فيها والاستدلال يوجب العلم والمعرفة بصدق رسله.
فهي آيات كونية مشاهدة في الآيات القرآنية. هذا ولم يخلقها الله سبحانه عن حاجة ولا تتوقف المقادير عليها.
والدين هو إثبات الأسباب والوقوف معها، والنظر إليها، وإنه لا دين إلا بذلك، كما لا حقيقة إلا به. ليس في الوجود الممكن سبب مستقل بالتأثير يؤثر في سبب البتة إلا بانضمام سبب آخر إليه وانتفاء مانع تأثيره؛ هذه في الأسباب المشهودة بالعيان. وفي الأسباب الغائبة، والأسباب المعنوية كأثر الشمس في الحيوان والنبات فإنه موقوف على أسباب أخر من وجود محل قابل وأسباب أخر تنضم إلى ذلك السبب وكذلك حصول الولد موقوف على أسباب وطء الفحل. وكذلك الأسباب مع مسبباتها، فكل ما يخاف ويرجي في المخلوقات فأعلي غاياته أن يكون جزء سبب غير مستقل بالتأثير، ولا يستقل بالتأثير وحده دون وقف تأثيره على شيء إلا الله الواحد القهار، ولا حول ولا قوة إلا بالله فهو الذي بيده الحول كله والقوة كلها.
مقارنة بين الطبيعة والشريعة من حيث التعادل والترجيح:
ومن هاهنا قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات اعتبارا بمقتضي العقاب ومانعه وإعمالا لأرجحها.
قالوا: وعلى هذا بناء مصالح الدارين ومفاسدهما، وعلى هذا بناء الأحكام الشرعية والأحكام القدرية، وهو مقتضى الحكمة السارية في الوجود، وبه ارتباط الأسباب ومسبباتها خلقا وأمرا، وقد جعل الله سبحانه لكل ضد ضدا يدافعه ويقاومه ويكون الحكم للأغلب منهما فالقوة مقتضية للصحة والعافية، وفساد الأخلاق وبغيها مانع من عمل الطبيعة وفعل القوة، والحكم للغالب منهما. وكذلك قوي الأدوية والأمراض، والعبد يكون فيه مقتضى للصحة ومقتضي للعطب، وأحدهما يمنع كمال تأثير الآخر ويقاومه، فإذا ترجح عليه وقهره كان التأثير له [1] .
(1) مدارج السالكين ص 298 ج 1