بعد شرح التصور القدري العام من خلال قضية الأسماء والصفات وأصل الحكمة، والحقائق الخمسة وهي الحق والعدل والإحسان والرحمة والخير. ومن خلال حقائق الخلق الثلاثة: التنوع والتقابل والتوازن.
وهذا في القسم الأول ...
وبعد شرح المقتضي الواقعي للتصور القدري العام من خلال مفهوم الإظهار ومجالات الواقع الأساسية الكوني والبشري بدائرتيه الذاتية والتاريخية وعلامات الساعة.
وهذا في القسم الثاني ...
ننتقل إلى القسم الثالث وهو الاختصاص القدري لواقع الدعوة.
والاختصاص هو مجموع الحقائق الناشئة عن تطبيق التصور القدري العام بعناصره، والمقتضي الواقعي لهذا التصور بأحكامه على واقع الدعوة الإسلامية بصفته البشرية والكونية. حيث كشف هذا التطبيق اختصاصا قدريا لواقع الدعوة.
وأبرز هذه الاختصاصات أربعة.
الأول: اختصاص واقع الدعوة من حيث الأسماء والصفات:
الاختصاص من حيث مفهوم الحكمة الإلهية:
فلو كان الخلق كلهم مطيعين عابدين حامدين لتعطل أثر كبير من الصفات العلي والاسماء الحسنى، وكيف كان يظهر أثر صفة العفو والمغفرة والصفح والتجاوز والانتقام والعز والقهر والعدل والحكمة التي تنزل الأشياء منازلها، وتضعها مواضعها، فلو كان الخلق كلهم أمة واحدة لفاتت الحكم والآيات والعبر والغايات المحمودة في خلقهم على هذا الوجه.
وقد يترتب على خلق من يكفر به ويشرك ويعاديه من الحكم الباهرة والايات الظاهرة ما لم يمكن أن يحصل بدون ذلك، فلولا كفر قوم نوح لما ظهرت اية الطوفان وبقيت يتحدث بها الناس على مر الزمان، ولولا كفر عاد لما ظهرت اية الريح العقيم التي دمرت ما مرت عليه، ولولا كفر قوم صالح لما ظهرت اية اهلاكهم بالصيحة، ولولا كفر فرعون لما ظهرت تلك الايات والعجائب، يتحدث بها الأمم أمة بعد أمة ويهتدي من شاء الله فيهلك بها من هلك عن بينة ويحي بها من حيي عن بينة ويظهر بها فضل الله وعدله وحكمته وايات رسله وصدقهم، فمعارضة الرسل وكسر حججهم ودحضها والجواب عنها وأهلاك الله لهم من أعظم أدلة صدقهم وبراهينه، ولولا مجئ المشركين بالحد والحديد والعدد والشوكة يوم بدر لما حصلت تلك الآية العظيمة التي يترتب عليها من الايمان والهدى والخير مالم يكن حاصلا مع عدمها.
ولله سبحانه وتعالى يجب أن يعبد بأنواع العبودية، ومن أعلاها وأجلها: عبودية الموالاة والمعاداة فيه، والحب فيه والبغض فيه، والجهاد في سبيله وبذل مهج النفوس في مرضاته، ومعارض أعدائه، وهذا النوع هو ذورة سنام العبودية وأعلي مراتبها، وهو أحب أنواعها، وهو موقوف على ما لايحصل بدونه من خلق الأرواح التي تواليه وتشكره وتؤمن به الأرواح التي تعاديه وتكفر به ويسلط بعضها على بعض لتحصل بذلك محاباة على أتم الوجوه، وتقرب أولياءه إليه لجهاد أعدائه ومعارضتهم فيه واذلالهم وكبتهم ومخالفة سبيلهم، فتعلو كلمته ودعوته على كلمة الباطل ودعوته، ويتبين بذلك شرف علوها وظهورها، ولو لم يكن للباطل والكفر والشرك وجود فعلي أي شئ كانت كلمته ودعوته تعلو فإن العلو أمر لشئ يستلزم غالبا ما يعلي عليه، وعلو الشئ على نفسه محال، والوقوف على الشئ لايحصل بدون.
ولولا خلق الشياطين والهوي لما حصلت عبودية الجهاد، ولما نال أهله درجة الشهادة، ولما ظهر من يقدم محبة فاطرة وخالقه على نفسه وأهله وولده ولا يقدم أدني حظ من الحظوظ عليه.
فأين صبر الرسل وأتباعهم وجهادهم وتحملهم لله أنواع المكاره والمشاق وأنواع العبودية المتعلقة بالدعوة وإظهارها لولا وجود الكفار، وتلك العبودية تقتضي علمه وفضله وحكمته ويستخرج منه حمده وشكره ومحبته والرضا عنه.