وتحت عنوان التعادل والترجيح في الخلق والشرع من حيث الأضداد يقول في (شفاء العليل) : فخلقه وأمره على تحصيل المصالح الخالصة والراجحة بتفويت المرجوحة التي لا يمكن الجمع بينهما وبين تلك الراجحة وعلى دفع المفاسد الخالصة والراجحة وإن وجدت المفاسد المرجوحة التي لا يمكن الجمع بين عدمها وعدم تلك الراجحة، وخلاف هذا هو خلاف الحكمة والصواب.
ويقول في التفسير القيم [1] : قول الله: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) ، والتثبيط رد الإنسان عن الشيء الذي يفعله، وقال ابن عباس يريد خذلهم وكسلهم عن الخروج. وقال في رواية أخرى حبسهم. قال مقاتل: وأوحي إلى قلوبهم اقعدوا مع القاعدين فيقول ابن القيم: إنه سبحانه أمرهم بالخروج طاعة له ولأمره واتباعا لرسوله صلى الله عليه وسلم ونصرة له وللمؤمنين، وأحب ذلك منهم ورضية لهم دينا، وعلم سبحانه أن خروجهم لو خرجوا لم يقع على هذا الوجه بل يكون خروجهم خروج خذلان لرسوله وللمؤمنين فكان خروجا يتضمن خلاف ما يحبه ويرضاه ويستلزم وقوع ما يكرهه ويبغضه، فكان مكروها له من هذا الوجه ومحبوبا له من الوجه الذي خرج عليه أولياؤه، وهو يعلم أنه لا يقع منهم إلا على الوجه المكروه له فكرهه وعاقبه على ترك الخروج الذي يحبه ويرضا لا على ترك الخروج الذي يبغضه ويسخطه.
إلي أن قال - وهو الشاهد من الكلام: فقعودهم مبغوض له، ولكن هاهنا أمران مكروهان له سبحانه: أحدهما أكره له من الآخر لأنه أعظم مفسدة، فإن قعودهم مكروه له وخروجهم على الوجه الذي ذكره أكره إليه، ولم يكن لهم بد من أحد المكروهين إليه سبحانه، فدفع المكروه الأعلي بالمكروه الأدني، فإن مفسدة قعودهم عنه أصغر من مفسدة خروجهم معه؛ فإن مفسدة قعودهم تختص بهم ومفسدة خروجهم تعود على المؤمنين، فتأمل هذا الموضع.
مقارنة بين الطبيعة والشريعة من حيث الحركة وعدم التوقف:
والقصد أن إضاعة الوقت الصحيح يدعو إلى درك النقيضة؛ إذ صاحب حفظه [2] مترق على درجات الكمال؛ فإذا أضاعه لم يبق في موضعه، بل ينزل إلى درجات من النقص، فإذا لم يكن في تقدم فهو متأخر، ولا بد فالعبد سائرا لا وافقا فإما إلى فوق وأما إلى أسفل إما إلى أمام وإما إلى وراء، وليس في الطبيعة، ولا في الشريعة وقوف البتة [3] .
مقارنة بين الطبيعة والشريعة من حيث حقيقة البرزخ:
أما حقيقة البرزخ فيقول فيها ابن القيم: وقد جعل الله عز وجل بين كل متباينين برزخا، كما جعل الموت وما بعده برزخا بين الدنيا والآخرة، وجعل المعاصي برزخا بين الأيمان والكفر، وجعل الأعراف برزخا بين الجنة والنار، وكذلك جعل بين كل مشعرين من مشاعر المناسك برزخا حاجزا بينهما لا من هذا ولا من هذا فمحسر برزخ بين مني والمزدلفة ليس من واحد منهما فلا يبيت به الحاج، و (بطن عرنة) برزخ بين عرفة والحرم فليس من الحرم ولا من عرفة.
وكذلك ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس برزخ من الليل والنهار ليس من الليل بطلوع الفجر ولا من النهار لعدم طلوع الشمس وإن دخل في اسم اليوم شرعا، وكذلك الشبهات هي برزخ بين الحلال والحرام.
مقارنة بين الطبيعة والشريعة من حيث حقيقة الفلق:
وأما حقيقة الفلق ففيها يقول ابن القيم: واعلم أن الخلق كله فلق وذلك أن فلقا فعل بمعني مفعول كقبض وسلب وقنص بمعني مقبوض ومسلوب ومقنوص والله عز وجل: (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ) .
(1) ص 293/ 296
(2) أي حفظ الوقت
(3) مدارج السالكين ص 202 ج 1