الصفحة 45 من 164

(فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) ، وفالق الأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأجنة، والظلام عن الإصباح. ويسمي الصبح المتصدع عن الظلمة فارقا وفرقا يقال هو أبيض من فرق الصبح وفلقه.

وكما أن خلقه فلق وفرق فكذلك أمره كله فرقان يفرق بين الحق والباطل فيفرق الباطل بالحق كما يفرق ظلام الليل بالإصباح، ولهذا سمي كتابه الفرقان ونصره فرقانا لتضمنه الفرق بين أوليائه وأعدائه. ومنه فلقه البحر لموسي فلقا، فظهرت حكمة الاستعاذة برب الفلق في هذه المواضع، وظهر بهذا إعجاز القرآن وعظمته وجلالته وأن العباد لا يقدرونه قدرة وأنه (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) .

مقارنة بين الطبيعة والشريعة من حيث الحسن والقبح:

وهو ما ورد في تفسير: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ) . فالأحسن هو المأمور وهو خير من المنهي عنه. وإذا كانت هذه سنته في أمره وشرعه فهكذا في خلقه وقضائه وقدره، فما أراد أن يخلقه أو يفعله كان أن يخلقه ويفعله خيرا من أن لا يخلقه ولا يفعله، وبالعكس وما كان عدمه خيرا من وجوده فوجوده شر وهو لا يفعله، بل هو منزه عنه، إذا الشر ليس إليه.

ومضمون هذه المقارنات أن الطبيعة والخلق الكوني صادرة عن نفس القواعد التي يصدر عنها الدين والأمر الشرعي وهي قواعد التعليل والأسباب والحكم، والتعادل والترجيح، والحركة وعدم التوقف، والحسن والقبح، مما يحقق توافقا تاما بينهما ...

وحقيقة التوافق بين الطبيعة والشريعة ليست حقيقة نظرية، بل إنها حقيقة يبني عليها أحكام ومن أمثلة هذه الأحكام الحكم بقتل الكافر قياسا على الفواسق [1] ، حيث جاء في كتاب بغية المسترشدين لفتاوي علماء البلاد الحضرمية [2] ، قول المحب الطبري في كتابه التفقيه: يجوز قتل عمال الدولة المستولين على ظلم العباد إلحاقا لهم بالفواسق الخمس [3] إذ ضررهم أعظم منها.

ونقل الأسنوي عن ابن عبد السلام أنه يجوز للقادر على قتل الظالم كالمكاس، ونحوه من الولاة الظلمة أن يقتله بنحو سم ليستريح من ظلمه؛ لأنه إذا جاز دفع الصائل ولو على درهم، حتى بالقتل بشرط فأولي الظالم المعتدي.

وفي هذا قياس لحكم الظالمين وهي العناصر المحققة للضرر من البشر على حكم الفواسق الخمس وهي العناصر المحققة للضرر في الطبيعة ولعلنا نلاحظ أن القياس بلغ حد الكيفية الواحدة للقتل. وذلك من فتوي ابن عبد السلام التي نقلها الأسنوي بجواز وضع السم لهم كما يوضع للفئران وغيرها من الفواسق.

وبعد تحديد التصور القدري العام ومقتضاه في المجال الكوني ننتقل إلى تحقيق مقتضى هذا التصور في المجال البشري وذلك من خلال دائرتين أساسيتين:

-الدائرة الإنسانية الذاتية.

-الدائرة الإنسانية التاريخية.

1)الدائرة الإنسانية الذاتية:

فالإنسان هو مناط حقائق الإظهار، بمعني: أن حقائق الإظهار وجدت باعتبار أن يكون الإظهار للإنسان حتى يعرف ربه وأسماءه وصفاته.

والإنسان بذاته من أهم حقائق الإظهار، وهذه الحقيقة قائمة باعتبارين:

الاعتبار الأول: أن الإنسان هو مضمون الواقع الكوني، وأن هذا الواقع الكوني بدوره مجالا جوهريا لحقائق الإظهار.

الاعتبار الثاني: أن الإنسان هو بذاته مجال لحقائق الإظهار في الوجود العام.

(1) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس من الدواب كلها فاسق لا حرج على من قتلهن، الفأرة والعقرب والحدأة والكلب العقور والغراب وفي رواية والحية. رواه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد

(2) ص 250

(3) السابق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت