الصفحة 46 من 164

وفي المضمون الإنساني للواقع الكوني يقول ابن القيم في كتابه الفوائد: إن الإنسان هو الغاية التي خلق لأجلها ما سواه من السموات والأرض والقمر والنجوم والبر والبحر، وأن شاء الله سبحانه وتعالى جمع ما فرقه في العالم في آدم فهو العالم الصغير، وفيه ما في العالم الكبير، وأن الإنسان هو خلاصة الوجود وثمرته.

وفي المضمون الإنساني للواقع الكوني تأتي حقيقة الفاعلية الإنسانية في هذا الواقع. وفي الفاعلية الإنسانية، في المجال الكوني، نري أن الإنسان هو أشد مظهر كوني وأقوي عنصر من عناصره، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال، فألقاها عليها، فاستقرت فتعجبت الملائكة من خلق الجبال، فقالت: يارب، هل في خلقك شيء أشد من الجبال؟ فقال: نعم، الحديد. قالت: يارب، هل من خلقك أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار. قالت: يارب، فهل من خلقك أشد من النار؟ قال: نعم، الماء. قالت: يارب فهل من شيء أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح. قالت: يارب، فهل من خلقك أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها عن شماله) [1] .

ولذلك يقول ابن القيم في كتابه الفوائد [2] : من أعظم آيات قدرته وشواهد ربوبيته وأدلة المعاد هو خلق الإنسان، فإنه من أعظم الأدلة على التوحيد والمعاد. وأى دليل أوضح من تركيب هذه الصورة الآدمية بأعضائها وقواها وصفاتها وما فيها من اللحم والعظم والعروق والأعصاب والرباطات والمنافذ والآلآت والعلوم والإرادات والصناعات، كل ذلك من نطفة ماء، فلو أنصف العبد ربه لاكتفي بفكره في نفسه، واستدل بوجوده على ما أخبرت به الرسل عن الله وأسمائه وصفاته.

وفي شفاء العليل يقول ابن القيم في حكمة خلق الإنسان: فإن قيل: فلم خلقت النفس على هذه الصفة؟ قيل: من كمال الوجود خلقها على هذه الصفة، وكذلك كمال فاطرها ومبدعها اقتضي خلقها على هذه الصفة لما في ذلك من الحكم التي لا يحصيها إلا مبدعها سبحانه، وإن كان في إيجاد هذه النفس شر فهو شر جزئي بالنسبة إلى الخير الكلي الذى هو سبب إيجادها، فوجودها خير من أن لا توجد، فلو لم يخلق مثل هذه النفس لكان في الوجود نقص وفوات حكم ومصالح عظيمة موقوفة على خلق مثل هذه النفس، ولهذا لما اعترضت الملائكة على خلق الإنسان وقالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) .

أجابهم سبحانه لأن في خلقه من الحكم والمصالح ما لا تعلمه الملائكة، والخالق سبحانه يعلمه، وإذا كانت الملائكة لا تعلم ما في خلق هذا الإنسان الذي يفسد في الأرض، ويسفك الدماء من الحكم والمصالح، فغيرهم أولى أن لا يحيط به علما.

فخلق هذا الإنسان من تمام الحكمة والرحمة والمصلحة، وإن كان وجوده مستلزما لشر فهو شر مغمور بما في إيجاده من الخير، كإنزال المطر والثلج، وهبوب الرياح، وطلوع الشمس، وخلق الحيوان والنبات والجبال والبحار.

أما الاعتبار الثاني فإن حقائق الإظهار القائمة في الأنسان ذاته: هي التنوع والتقابل، والبدء والإعادة، وفي حقيقة التنوع يرتبط الإنسان بطبيعة الوجود الكوني كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك والخبيث والطيب والسهل والحزن وبين ذلك) [3] .

(1) أخرجه أحمد في المسند (124/ 3) ، والترمذي في (التفسير) من حديث سليمان بن أبي سليمان عن أنس مرفوعا

(2) ص9

(3) أخرجه أحمد في المسند (406/ 4) ، وأبو داود في (السنة) [455/ 12)، والترمذي في التفسير (290/ 8) من حديث أبي موسي الأشعري وصححه الترمذي وهو كما قال، وأخرجه الحاكم والبيهقي وغيرهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت