الصفحة 47 من 164

وفي هذا يقول ابن القيم: وقد نوع خلقه تنويعا دالا على كمال قدرته وربوبيته تفسيرا لقول الله عز وجل: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ) .

وفي حقيقة التقابل يرد ابن القيم على نفاة الحكمة القائلين أي الحكمة في خلق النفس مريدة للخير والشر فيقول: فإن الرب تعالى اقتضت قدرته وعزته وحكمته إيجاد المتقابلات في الذوات والصفات والأفعال.

كما يقول: إن الطبيعة البشرية مشتملة على الخير والشر والطيب والخبيث وذلك كامن فيها كمون النار في الزناد، فخلق الشيطان مستخرجا لما في طبائع أهل الشر من القوة إلى الفعل، وأرسل الرسل تستخرج ما في طبيعة أهل القوة إلى الفعل، فاستخرج أحكم الحاكمين ما في قوي هؤلاء من الخير الكامن فيها ليترتب عليها آثارها وما في قوي هؤلاء من الشر ليترتب عليه آثارها وتظهر حكمته في الفريقين، وينفذ حكمه فيها، ويظهر ما كان معلوما له مطابقا لعلمه المطلق.

وحتي في إطار النفس المؤمنة فإن التقابل طبيعتها، وهذا من آثار أسماء الله وصفاته فيها ولذلك يقول ابن القيم: فإن القلب يعترضه وارد الرجاء فلم ينشب أن يعارضه وارد الخوف وبالعكس ويعترضه وارد البسط فلم ينشب أن يعترضه وارد القبض ويرد عليه وارد الأنس فيعترضه وارد الهيبة.

وينتهي كلام ابن القيم بقوله: هذا من آثار الأسماء والصفات واتصال أشعة أنوارها بالقلب [1] .

فانظر الآن إلى ظاهر الإنسان وباطنه، وإلي بدنه وصفاته، فتري به من العجائب والصنعة ما يقتضي به العجب وكل ذلك صنع الله من قطرة ماء قذرة فتري من هذا صنعه في قطرة ماء فما صنعه في ملكوت السموات وكواكبها؟ وما حكمته في أوضاعها وأشكالها، ومقاديرها، وأعدادها، واجتماع بعضها، وتفرق بعضها، واختلاف صورها، وتفاوت مشارقها ومغاربها؟ فلا تظن أن ذرة من ملكوت السموات تنفك عن حكمة وحكم؛ بل هي أحكم خلقا وأتقن صنعا، وأجمع للعجائب من بدن الإنسان، بل لا نسبة لجميع ما في الأرض إلى عجائب السموات ولذلك قال تعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا) .

(1) مدارج السالكين ص 382 ج 1

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت