الصفحة 48 من 164

فارجع الآن إلى النطفة وتأمل حالها أولا، وما صارت إليه ثانيا، وتأمل أنه لو اجتمع الجن والإنس على أن يخلقوا للنطفة سمعا أو بصرا أو عقلا أو قدرة أو علما أو روحا أو يخلقوا فيها عظما أو عرقا أو عصبا أو جلدا أو شعرا هل يقدرون على ذلك؟! بل لو أرادوا أن يعرفوا كنه حقيقة وكيفية خلقه، بعد أن خلق الله تعالى ذلك، لعجزوا عنه فالعجب منك لو نظرت إلى صورة إنسان مصور على حائط تأنق النقاش في تصويرها حتى قرب ذلك من صورة الإنسان، وقال الناظر إليها: كأنه إنسان، عظم تعجبك من صنعة النقاش وحذقة وخفة يده، وتمام فطنته، وعظم في قلبك محله، مع أنك تعلم أن تلك الصورة إنما تمت بالصبغ والقلم واليد وبالحائط وبالقدرة وبالعلم والإرادة، وشىء من ذلك ليس من فعل النقاش ولا خلقه، بل هو من خلق غيره، وإنما منتهي فعله الجمع بين الصبغ والحائط على ترتيب مخصوص، فيكثر تعجبك منه وتستعظمه! وأنت تري النطفة القذرة كانت معدومة وخلقها خالقها في الأصلاب والترائب ثم أخرجها منها وشكلها فأحسن تشكيلها، وقدرها فأحسن تقديرها وتصويرها، وقسم أجزاءها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة، فأحكم العظام في أرجائها، وحسن أشكال أعضائها، وزين ظاهرها وباطنها، ورتب عروقها وأعصابها، وجعلها مجرى لغذائها ليكون ذلك سبب بقائها، وجعلها سميعة بصيرة عالمة ناطقة، وخلق لها الظهر أساسا لبدنها، والبطن حاويا لآلآت غذائها، والرأس جامعا لحواسها.

ففتح العينين ورتب طبقاتها وأحسن شكلها ولونها وهيئاتها، ثم حماها بالأجفان لتسترها وتحفظها وتصقلها وتدفع الأقذاء عنها، ثم أظهر في مقدار عدسة منها صورة السموات مع اتساع أكنافها وتباعد أقطارها فهو ينظر إليها.

ثم شق أذنيه وأودعها ماء مرا ليحفظ سمعها ويدفع الهوام عنها، وحوطها بصدقة الأذن لتجمع الصوت فترده إلى صماخها ولتحس بدبيب الهوام إليها، وجعل فيها تحريفات واعوجاجات لتكثر حركة ما يدب فيها ويطول طريقة فيتنبه من النوم صاحبها إذا قصدها دابة في حال النوم. ثم رفع الأنف من وسط الوجه، وأحسن شكله وفتح منخريه، وأودع فيه حاسة الشم ليستدل باستنشاق الروائح على مطامعة وأغذيته، وليستنشق بمنفذ المنخرين روح الهواء غذاء لقلبه وترويحا لحرارة باطنه.

وفتح الفم وأودعه اللسان ناطقا وترجمانا ومعربا عما في القلب، وزين الفم بالأسنان لتكون ألة الطحن والكسر فأحكم أصولها وحدد رؤسها وبيض لونها، ورتب صفوفها متساوية الرؤوس متناسقة الترتيب كأنها الدر المنظوم وخلق الشفتين وحسن لونها وشكلها لتنطبق على الفم فتسد منفذه وليتم بها حروف الكلام، وخلق الحنجرة وهيأها لخروج الصوت، وخلق اللسان قدرة للحركات والتقطيعات لتقطع الصوت في مخارج مختلفة تختلف بها الحروف ليتسع بها طريق النطق بكثرتها، ثم خلق الحناجر المختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة وصلابة الجوهر ورخاوة، والطول والقصر حتى.

اختلفت بسببها الأصوات فلا يتشابه صوتان بل يظهر بين كل صورتين فرقا حتى يميز السامع بعض الناس عن بعض بمجرد الصوت في الظلمة، ثم زين الرأس بالشعر والأصداغ، وزين الوجه باللحية والحاجبين، وزين الحاجب برقة الشعر واستقواس الشكل، وزين العينين بالأهداب.

ثم خلق الأعضاء الباطنة وسخر كل واحد لفعل مخصوص فسخر المعدة لنضج الغذاء، والكبد لإحالة الغذاء إلى الدم والطحال والمرارة والكلية لخدمة الكبد، فالطحال يخدمها بجذب السوداء عنها، والمرارة تخدمها بجذب الصفراء عنها، والكلية تخدمها بجذب المائية عنها، والمثانة تخدم الكلية بقبول الماء عنها ثم تخرجه في طريق الإحليل، والعروق تخدم الكبد في إيصال الدم إلى سائر أطراف البدن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت