الصفحة 41 من 164

والإهلاك من سنن النهاية ولذلك يربط القرآن الكريم بين إهلاك القرى وبين يوم القيامة في قوله عز وجل: (وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) .

ويجتمع في قدر الإهلاك بعض السنن الأصلية وهي: 1) سنة الإنذار. 2) سنة الإمهال. 3) سنة الإستدراج. 4) سنة الستحقاق. 5) سنة الكشف. 6) سنة الميعاد. 7) سنة الإهلاك الفعلي.

ويفسر ابن القيم استحقاق الهلاك فيقول: وتحق كلمة الهلاك بإنزال الأمر والنهي، ثم إظهار قدر إتباعهم هوي أنفسهم، ثم قيام الحجة عليهم بالعدل، ثم يكون العقاب بمثلهم [1] .

ويواصل ابن القيم موضوع استحقاق الهلاك فيقول: المعصية السابقة وإن كانت سببا للهلاك، لكن يجوز تخلف الهلاك عنها، ولا يتحتم، كما هو عادة الرب تعالى المعلومة في خلقه، أنه يتحتم هلاكهم بمعاصيهم. فإذا أراد إهلاكهم، ولا بد، أحداث سببا آخر يتحتم معه الهلاك، ألا تري أن ثمود لم يهلكهم بكفرهم السابق حتى أراهم الآيات المتتابعات، واستحكم بغيهم وعنادهم، فحينئذ أهلكوا. وكذلك قوم لوط لما أراد إهلاكهم أرسل الملائكة إلى لوط في صورة الأضياف فقصدوهم بالفاحشة.

وكذلك سائر الأمم إن أراد الله هلاكها أحدث لهم بغيا وعدوانا ويأخذهم على آثره، وهذه عادته مع عباده عموما وخصوصا، فيعصيه العبد وهو يحلم، ولا يعاجله، حتى إذا أراد أخذه قيض له عملا يأخذه، مضافا إلى أعماله الأولى، فيظن الظان أن أخذه بذلك العمل وحده، وليس كذلك، بل حق عليه القول بذلك؛ وكان قبل ذلك لم يحق القول بأعماله الأولى حيث عمل ما يقتضي ثبوت الحق عليه، ولكن لم يحكم به أحكم الحاكمين، ولم يمض الحكم، فإذا عمل بعد ذلك ما يقرر غضب الرب أمضي حكمه وأنفذه، قال تعالى: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمَْ) ، وقد كانوا قبل ذلك أغضبوه بمعصية رسوله ولكن لم يكن غضبه سبحانه قد استقر واستحكم عليهم إذ كان بصدد أن يزول بإيمانهم فلما آيس من إيمانهم تقرر الغضب واستحكم فحلت العقوبة. فهذا الموضع من أسرار القرآن ومن أسرار التقدير الإلهي

وعقوبات الذنوب شرعية وقدرية، فإذا أقيمت العقوبات الشرعية رفعت العقوبات القدرية أو خففتها، ولا يكاد الرب تعالى يجمع على العباد بين العقوبتين إلا إذا لم يف أحدهما برفع موجب الذنب، وإذا عطلت العقوبات الشرعية استحالت قدرية، وربما كانت من نوع الشرعية، وربما كانت دونها، لكنها تعم والشرعية تخص: فإن الرب تبارك وتعالي لا يعاقب شرعا إلا من باشر الجناية أو تسبب فيها. وأما العقوبة القدرية: فإنها تقع عامة وخاصة.

والإهلاك، بصفة عامة، مظهر من مظاهر الحكمة؛ وفي هذا المعنى يقول ابن القيم: سبب الحسنات هو الحي القيوم والسيئات منقطع، فكل عمل باطل إلا ما أريد به وجه الله. فكما أن ما لا يكون به لا يكون؛ فما كان لغيره فلا يدوم، ولهذا كان لبعض حكم الله تعالى في تخريب هذا العالم أن يشهد من عبد شيئا غيره أنه لا يصلح للعبادة والألوهية، ويشهد العابد حال معبوده.

(1) مدارج ص 167 ج 1

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت