قال ابن عباس: (حجب الذات بالصفات وحجب الصفات بالأفعال) ، ومن هذا المعنى يفهم بعض جمال ذاته، فإن العبد يترقي في معرفة الأفعال إلى معرفة الصفات، ومن معرفة الصفات إلى معرفة الذات، فإذا شاهد شيئا من جمال الأفعال استدل على جمال الصفات، ثم استدل بجمال الصفات على جمال الذات، وقوله في الحديث: (إن الله جميل يحب الجمال) [1] يتناول جمال الثياب، ويدخل فيه، بطريق العموم، والجمال في كل شيء كما في الحديث: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا) [2] ، (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) [3] .
ولمحبته سبحانه للجمال أنزل على عباده لباسا وزينة تجمل ظواهرهم، وتقوى تجمل بواطنهم فقال: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) .
وقال في أهل الجنة: (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا) .
فجمل وجوههم بالنضرة وبواطنهم بالسرور، وابدانهم بالحرير.
والجمال في الصورة واللباس والهيئة ثلاث أنواع: منه ما يحمد، ومنه ما يذم، ومنه ما لا يتعلق به مدح أو ذم. فالمحمود منه ما كان لله، وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة له، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتجمل للوفود وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال.
والمقصود أن الحديث مشتمل على أصلين أوله معرفة، وآخره سلوك. فيعرف الله سبحانه بالجمال ويعبد بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق، فيحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق، وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه في لباسه وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور المكروهة وتقليم الأظافر. فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه، فجمع الحديث قاعدتي المعرفة والسلوك.
وبعد عرض السنن كأصل للوجود والحركة الكونية ...
-وعرض السنن المحققة لكمال التوازن فيه ...
-يبقي عرض السنن المحققة لنهايته ...
-وهي سنن الإهلاك ...
سنن الإهلاك:
والانتقال من مرحلة التوازن إلى مرحلة النهاية هي في حقيقتها سنة من سنن الله التي أخبرنا عنها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (ويأتي النقص من حيث الخلل) .
وارتباط النقص بالخلل، هو الذي يعني أن تكون النهاية بفقد التوازن، حيث أن النقص هو الإهلاك، والخلل هو فقد التوازن.
أما دليل أن النقص هو الإهلاك فهو تفسير قول الله عز وجل: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) .
حيث قال ابن عباس: أو لم يروا إلى القرية تخرب حتى يكون العمران في ناحية. وقال مجاهد وعكرمة: (ننقصها من أطرافها) : قال خرابها. وقال البخاري في التفسير: (أو يأخذهم على تخوف) ، يعني تنقص. وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أول ما بدء النقص في بني إسرائيل) [4] أى أول ما بدأ الهلاك ولذلك يربط المحدث الدهلوي في كتابه (حجة الله البالغة) بين النقص والهلاك فيقول: يجىء النقص من حيث يجىء الهلاك.
(1) سبق تخريجه
(2) مسلم في الزكاة رقم (1015) باب (قبول الصدقة) من حديث أبي هريرة، وهو عند الترمذي أيضا (2992) ، وهو مما انفرد به مسلم دون البخاري
(3) أخرجه الترمذي في الأدب (106/ 8 تحفة) ، والحاكم (135/ 4) ، وأحمد (8 - 67) من حديث ابن عمرو وسنده حسن
(4) أخرجه أبو داود من حديث ابن مسعود رضي الله عنه