فهرس الكتاب
وبهذا التصور كانت البيعة على الإسلام والسمع والطاعة كما قال عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره. حيث أن المنشط هو استعداد النفس وحماسها، والمكره هو تباطؤ النفس وفتورها.
ومن أهم الحقائق الأخلاقية في النفس هو الارتباط بين الطبع وبين الحق والباطل؛ فيكون الطبع من حيث الصورة خلقا كريما إذا ارتبط بالحق، وخلقا رذيلا إذا ارتبط بالباطل. ومن هنا كان تحديد الفرق بين الأخلاق الكريمة والرذيلة والناشيء عن هذا الارتباط في كتاب (الروح) لابن القيم؛ حيث ذكر أمثلة كثيرة لهذه الأخلاق منها: الفرق بين الشرف والتيه، والتواضع والمهانة، والقوة في أمر الله والعلو في الأرض، والغضب لله والغضب للنفس، والجود والسرف، والمهابة والكبر، والعفو والذل، والثقة والغرور، وحب الرياسة، وحب الإمارة في الدعوة إلى الله، والتوكل والعجز، والاحتياط والوسوسة.
ويقول في النهاية: فالشيء الواحد تكون صورته واحدة وهو منقسم إلى محمود ومذموم. والمقتضي المنهجي لهذه الحقيقة هو تقييم النفوس على أساس ارتباط أخلاق أصحابها بالحق والتدقيق في هذا الارتباط.
ومن سنن النفس البشرية أن الإنسان كلما كبر ازداد حبا للحياة والمال؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان: حب الحياة، وطول العمر) [1] .
والمقتض المنهجي لهذه الحقيقة هو الاستفادة بمرحلة الشباب؛ باعتبار مرحلة الاستعداد الطبيعي للبذل والتضحية، ولا يمنع هذه القاعدة وجود البذل والتضحية بين الشيوخ، ولكن ارتباط الاستعداد للبذل والتضحية بمرحلة الشباب هو الذي تقوم عليه حسابات الدعوة ومنهجها التربوي باعتباه ارتباط أساسيا عاما.
ويقابل أساسية التأثير في السلوك أساسية التكليف الصحيح حيث يتحقق بالأساسيتين الاستفادة الصحيحة الكاملة بالفرد في دعوته وجماعته.
3)العلاقة الصحيحة بين الفرد والجماعة:
فيجب أن يقوم تكليف الأتباع على أساس قدر الله فيهم فيكون التكليف مناسبا لقوة الإيمان باعتبار أن التكليف نوع من البلاء، وأن القاعدة القدرية في البلاء تناسبه مع هذا الإيمان، ولهذا يقول ابن القيم في مدارج السالكين: إذا عرفت مقام الخلق ومقاديرهم وجريان الأحكام القدرية عليهم، وأنهم مقيدون بالقدر، لا خروج لهم على الحكم الكوني القدري لا يتعدونه، استفدت بهذه المعرفة ثلاثة أشياء: أمن الخلق منك وذلك أنه إذا نظر إليهم بعين الحقيقة لم يطالبهم بما لا يقدرون عليه، وامتثل فيهم أمر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بأخذ العفو منهم فأمنوا من تكليفه إياهم، والزامه لهم ما ليس في قواهم وقدرتهم.
ولأجل أن التكليف بحسب مقادير الأتباع وجريان الأحكام القدرية عليهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعالج أي أمر خارج عن الطاقة بصورة قدرية خالصة، فكان يدعو الله عز وجل بأن يعين المكلف على تكليفه كما في الحديث الذي قال فيه جرير قال [2] : (ألا تريحني من ذي الخلصة) ، كان بيتا في خثعم يسمي الكعبة اليمانية قال: فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل. قال: وكنت لا أثبت على الخيل فضرب صدري حتى رأيت أثر أصابعه في صدري قال: (اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا) [3] فانطلق إليها فكسرها وحرقها.
(1) متفق عليه: البخاري في الرقائق (239/ 11) ، ومسلم في الزكاة (138/ 7) من حديث أنس رضي الله عنه وألفاظهما غير هذه 0
(2) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم 0
(3) البخاري في المناقب (131/ 7) ، وإعادة في المغازي في اواخرها0