فهرس الكتاب
ومن هنا فإن مواجهة هذه السلطة لن تكون صحيحة إذا تحولت إلى مجرد صراع مع شكل من تلك الأشكال أو صارت تحديا شخصيا لواحد من أصحاب تلك السلطة.
ولكن المواجهة الصحيحة إنما تكون بالاعتقاد بأنها مع إبليس ذاته في ولايته وسلطانه.
وتلك المواجهة وهذا الاعتقاد هو البعد المتم لكل الأبعاد الاعتقادية المرتبطة بمهمة إسقاط أي حكم جاهلي، وهو كذلك الأساس السياسي للصراع الإسلامي مع جميع النظم الجاهلية، رغم ما بين هذه النظم من اختلافات سياسية شكلية.
وعلى هذا يجب أن يتحدد، بهذا التصور النظرية الثابتة الواحدة للسياسة الجاهلية التي تتحقق المواجهة الإسلامية باعتبارها.
جماع القول في سنة الله في باب الإمامة:
هذا وأريد الآن ان أبين لكم بكلمات موجزه تلك السنة التي سنها الله تعالى في باب الإمامة والتي ما زالت نافذة من الأزل، وستبقي جارية ما دام النوع البشري حيا قائما على فطرته في هذه المعمورة فهاكم إياها:
إذا لم تكن في الأرض طائفة منظمة متصفة بكل من الأخلاق الأساسية والأخلاق الإسلامية وهي تستخدم - مع ذلك - الوسائل والأسباب المادية، فلا بد أن يسلم زمام القيادة والسيادة في العالم إلى طائفة تكون أكثر جمعا واحتيازا للأخلاق الأساسية والإنسانية والأسباب المادية من غيرها.
وذلك بأن قد جرت مشيئة الله أن يبقي نظام هذا العالم جاريا مطردا على كل حال فمن ثم يفوض أمر إدارته وتسيير دفة شؤونه إلى أعظم الطوائف المعاصرة قدرة وأكثرها كفاءة أما إن كانت في الأرض فئة منظمة تمتاز من بين سائر الفئات الموجودة وتفضلها جميعا في الأخلاق الإسلامية والأخلاق الإنسانية العامة معا ثم لا تقصر في الوقت نفسه في استخدام الأسباب المادية حق استخدامها فمن المستحيل عندئذ أن تتسلم أزمة قيادة الأرض وتتمتع بسيادتها فئة أخرى بإزائها؛ فإن ذلك مما يناقص من فطرة الكون ويناقص سنة الله التي سنها في الشؤون البشرية ويناقض مواعيده التي وعد بها المؤمنين الصالحين من عباده في غير موضع من كتابه العزيز.
والله تعالى لا يحب الفساد في أرضه وأي فساد أشنع وأبشع من أن ينقاد زمام أمور الأرض لفئة تعيث فيها وتملؤها ظلما وجورا مع أن فيها فئة صالحة قادرة على تسيير دفة حكمها طبقا لمشيئة الرب ومرضاته تعالى.
ومما ينبغي أن لا يغيب عن البال أن نظام الاستخلاف في الأرض لا يمكن أن يتغير ويتبدل بمجرد وجود فرد صالح أو أفراد صالحين مشتتين في الدنيا ولو كانوا في ذات أنفسهم أولياء الله تعالى بل ومن أنبيائه ورسله. إن الله تعالى لم يقطع ما قطع من المواعيد لأفراد متفرقين مشتتين وإنما قطعها لجماعة منسقة متمتعة بحسن الإدارة والنظام قد أثبتت نفسها - فعلا - أمة وسطا أو خير أمة في الأرض) [1] .
(1) منهاج الانقلاب الإسلامي: الاستاذ أبو الأعلي المودودي.