فهرس الكتاب
والحكم بما أنزل الله حرز لجميع المحكومين به من الشيطان فكما تدخل أسباب الحرز الفردي من الشيطان أساس لإسقاط الحكم الجاهلي؛ باعتبار أن الذين سيقومون بهذه المهمة هم عباد الله المخلصين فإنه بهذا التصور، أيضا يكون الحكم الإسلامي هو الحرز العام الذي يحقق النجاة الاجتماعية من سلطة الشيطان ابتداء من أبسط مستويات هذا الحكم وهي سلطة الرجل في بيته إلى أعلاه وهي سلطة الحاكم على المجتمع.
فسلطة الرجل على بيته تجعل تصرفه إذا أصاب حماية لبيته من الشيطان وإذا أخطأ ينال الشيطان بخطئه التأثير في هذا البيت؛ بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر اسم الله تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء [1] .
أما سلطة الحاكم في المجتمع فالدليل على كونها حزرا من الشيطان إذا كانت صحيحة هو إمارة عمر بن الخطاب؛ ذلك أن عمر كان يخاف منه الشيطان، بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما سلك عمر فجأ إلا سلك الشيطان فجا غيره) [2] فكانت إمارة عمر حزرا للأمة من الشيطان وكانه عمر هو الباب المغلق أمام الشيطان في محاولة الدخول إلى الأمة، وكان كسر الباب هو قتل عمر بن الخطاب، بدليل حديث حذيفة قال: (كنا عند عمر فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قال: فقلت: أنا قال: إنك لجريء وكيف قال؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ، فقال عمر: (ليس هذا أريد إنما أريد التي تموج كموج البحر قال فقلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابا مغلقا قال: أيكسر أم يفتح؟ قال: لا بل يكسر. قال: ذلك أحري ألا يغلق أبدا. قال فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم كما يعلم أن دون غد الليلة إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط قال: فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب المكسور فقلنا لمسروق سله فسأله فقال: عمر [3] وفي رواية:(كان عمر يعلم أنه الباب وكان يعلم أن كسر الباب قتله) .
ولأجل أن خطورة السلطة الإسلامية على الشيطان قد بلغت أن تكون حرزا للأمة فإننا نجد أنه لا يطيق قيامها ويعتبر هذف إسقاطها إذا قامت مهمة أساسية عنده؛ ودليل ذلك هو موقف الشياطين من ملك سليمان حيث جاء في تفسير قول الله: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ) [4] .
قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والحسن: جسد يعني شيطان مؤكدين هذا القول بقصة مضمونها أنه كانت هناك محاولة انقلاب شيطانية ضد حكم سليمان فقدر الله إخفاقها ونجاته منها بعد بلائه بها.
ولعل هذه الحقيقة تكون تنبيها للذين يتلهفون على قيام السلطة الإسلامية دون الاستعداد للمحافظة عليها بعد قيامها إذ أن العقبات الضخمة التي يضعها الشيطان في سبيل قيام هذه السلطة ستكون قليلة بجانب الأساليب والوسائل التي سيمارسها الشيطان لمحاولة إسقاطها إذا قامت، وهذا التصور يؤكد لنا أن السلطة الجاهلية في حقيقتها ولاية شيطانية تتبع في ولائها ونظامهما إبليس وجنوده مهما اختلفت هذه السلطة في أشكالها وأشخاصها.
(1) مسلم في الإمارة (1855) من حديث عوف بن مالك وهو ما انفرد به مسلم.
(2) مسلم في الأشربة رقم (2018) من حديث جابر بن عبد الله.
(3) أخرجه مسلم (170/ 171/2) شرح النووي في الإيمان.
(4) ص: 34.