الصفحة 162 من 164

أما من حيث الواقع، فإن لهذا الصدق، كحقيقة قلبية، نتيجتان، القتل وانتظار القتل، وهذا قول الله عز وجل: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا ما عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) ، ولا نتظار الشهادة دلائل من حيث الواقع هي نفس الدلائل النفسية للانتظار، ولعل أهمها أن يكون من ينتظر القتال قلقا في حياته غير راكن اليها متوقعا أن يتحقق الأمر في شوق المنتظرين، لتكون هذه الدلائل هي الالتزام بمقتضي قدر الشهادة في واقع الدعوة.

ثالثا: قيام السلطة الإسلامية:

والحكم بما أنزل الله هو التحقيق لمقتضي أن لله الخلق والأمر، كما أن الحكم بما أنزل الله هو مقتضى وعد الله بإظهار الدين، رغم السنة الثابتة بقلة أهل الخير ذلك أن السلطة الإسلامية هي غلبة القلة الخيرة ومن هنا ارتبطت ضرورة الحكم الإسلامي بظاهرة فسق الكثرة في قوله تعالى: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) .

وقد كان لحقيقة غلبة الخير رغم قلة أهله عدة مقتضيات فقهية ومنهجية لعل أهمها هو الحكم على الديار باعتبار شخص الحاكم والسلطة القائمة ونظام الحكم إذ تصبح الدار إسلامية إذا كان الحاكم مسلما والحكم فيها بما أنزل الله حتى لو كانت الغالبية فيها غير مسلمين.

وكما يقوم مفهوم السلطة الإسلامية على سنة نفسية واجتماعية وهي أن السلطان بقدر الله له أثر في الواقع البشري وهو مضمون قول عمر بن الخطاب: (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) ، وباعتبار الفاعلية القدرية لموقع السلطة في الواقع البشر جعل الله في هذا الموقع تقابل بين الخير والشر يحقق التوازن بقدر الله ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: في الحديث الذي أورده البخاري في كتاب القدر عن أبي سعيد الخدري قال: ما أستخلف خليفة إلا له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمة الله).

ومن هنا كان لاختيار الحكم تصور ثابت يضمن تحقيق التوازن بين اختيار الحاكم من قبل الناس مع علم الله بمن يستحق هذا الاختيار. ويتضمن هذا التوافق حقيقتين أساسيتين في اختيار الحاكم:

الأولى: النهي عن تزكية النفس دليل قوله عز وجل: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) . وعلة النهي عن تزكية النفس هو أن يزكي الله من يشاء كما قال سبحانه: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاء) .

لهذا جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم عليه أسلوبا دعائيا فيقول: أعطني فإن مدحي زين وذمي شين فيرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: (ذاك الله) [1] .

والحقيقة الثانية: أن إجماع المسلمين وهم شهداء الله في الأرض كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنتم شهداء الله في الأرض) دليل على تزكية الله للعبد وباعتبار أن مدح المسلمين لشخص هو عاجل بشري المؤمن بمدحه عند الله وباعتبار أن وضع القبول لشخص في الأرض دليل على حب الله. ومن هنا كان خير الأمراء من يحبون الرعية وتحبهم الرعية كما قال صلى الله عليه وسلم: (خيار الذين تحبونهم ويحبونكم) [2] .

(1) أخرجه أحمد في المسند (488/ 3) أبي سلمة بن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس والرجل الذي نادي رسول الله هو الأقرع بن حابس.

(2) أخرجه الطبراني عن سلمة بن الأكوع كما في الجامع الضغير للسيوطي وأحمد في المسند (179/ 3) من حديث أنس (وفي مواقع من مسنده) ، وسنده صحيح، وصححه العلامة الألباني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت