الصفحة 161 من 164

ولعل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لعل الله أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) [1] دليل على الارتباط بين المغفرة والفتح باعتبار أن بدر كانت الفرقان وبداية الفتح وأعظمه.

وارتباط الفتح بالمغفرة هو الذي أنشأ الارتباط بين الفتح والجنة بإعتبار أن المغفرة أثرا للفتح وسببا للجنة وهو المعنى الواضح في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ) .

حيث قال ابن كثير في تفسيره الآية: وهذه الآية كقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) ، وكقوله: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) .

وقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) .

وأخبر تعالى أن هذا مسطور في الكتب الشرعية والقدرية وكائن لا محالة.

قال ابن عباس عن على بن طلحة: أخبر الله سبحانه وتعالى في التوراه، الزبور وسابق علمه قبل أن تكون السموات والأرض، أن يروث أمة محمد صلى الله عليه وسلم الأرض ويدخلهم الجنة وهم الصالحون.

ولعل هذا المعنى هو مضمون النداء الذي نادي به على ابن أبي طالب من البراءة من المشركين بعد فتح مكة كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة) [2] فربط النبي صلى الله عليه وسلم بين الفتح والجنة.

قدر النصر والشهادة:

وفيه يربط ابن عباس بين القدر والنصر في تفسير قول الله: (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّة) ، قال ابن عباس وغيره: يظنون أن الله لم يقدر ما جرى وأنه لا ينصر رسوله. فكما أن القدر يجب الإيمان به ويعلم أن كل ما كان فقد سبق علم الرب به، فكذلك يعلم أنه لا بد أن ينصر الله رسله والذين آمنوا. وكما أنه لا يجوز أن يقع خلاف القدر فلا يجوز أن لا ينصر رسله والذين آمنوا.

وكذلك في تفسير قول الله: (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ) ، حيث أن معنى الآية متعلق بأن يكون أصحاب بيعة الرضوان هم الذين يحضرون غزوة خبير وهذا تقدير الله سبحانه. ولذلك يقول ابن كثير في تفسير الآية: ولا يقع غير ذلك شرعا ولا قدرا. أما عن الشهادة ففي قول الله عز وجل: (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاء) .

تعني أن الشهادة في تصور الحركة غاية أو مقتضى قدري. وعلى هذا فيجب أن ينشأ الموقف الحركي للدعوة بهذا المقتضي في كل مراحلة فيكون الموت في سبيل الله هو مضمون كل مرحلة ابتداء من مرحلة البيعة والدخول في واقع الحركة. عندئذ ينشأ الفكر الصحيح المحدد للأساليب والمراحل والمحقق للهدف والغاية؛ لأن الدعوة ستتوجه نحو تحقيق مقتضى من مقتضيات القدر الإلهي فيها، وهي أن يتخذ الله منا شهداء.

وتحقيق نشأة الموقف الحركي للدعوة بهذا المقتضي يعني الصدق في عهد الله، وهي حقيقة قلبية.

(1) البخاري في التفسير وسبق تخريجه وهي قصة حاطب بن أبي بلتعة.

(2) متفق عليه. البخاري في باب لا يطوف بالبيت عريان ومسلم في الحج (1348) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت