فهرس الكتاب
وعلى ضوء هذه الحقيقة ندرك كيف أن الآية التي كانت مع طالوت عندما بعثه الله إلى بني إسرائيل ليكون ملكا عليهم: (وبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ) ، لتكون الصلة بين القوم ونبيهم هي السكينة والبشري لهم في قتالهم لأعدائهم وندرك أيضا لماذا جاء في سورة الصف قول الله: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) .
ثم جاء بعدها: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) ، لتبين ان حفظ مقام النبوة مع وحدة الصف هي من السنن الثابتة للنصر وفي هذا المعنى يقول ابن تيمية في كتاب النبوات: والمقصود هنا ان آيات الأنبياء ودلائل صدقهم متنوعة قبل البعث وحين البعث في حياتهم وبعد موتهم فقيل مثل أخبار من تقدم من النبياء ومثل الإرهاصات الدالة عليه، وإما حين البعث فظاهرة، وأما في حياته فمثل نصره وإنجائه وإهلاك أعدائه وأما بعد موته نصر أتباعه وإهلاك أعدائه كما قال تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) ، وقال: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) ، وقال للمسيح: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إلى وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) .
فمبدأ النصر والظهور مع متابعة النبي وجودا وعدما من غير سبب يزاحم ذلك [1] .
9)الفتح والمغفرة:
ومن الحقائق القدرية في واقع الحركة القتالية حقيقة الارتباط بين الفتح والمغفرة والدليل عليه قول الله عز وجل: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) .
وأصل هذا الارتباط هو تنفيذ شرط ميراث الأرض وهو العبودية الخالصة لله التي يعتبر الاستغفار دليلها الأول والشاهد على ذلك قول الله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) .
وحديث سيد الاستغفار: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك على وابوء بذنبي، فاغفر لي لا يغفر الذنوب إلا أنت) [2] .
وقد بلغ الارتباط بين الفتح والمغفرة حد الاقتضاء، ومن هنا كان قول الله عز وجل: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ) . فالله قد فتح على النبي ليغفر له فجاءت المغفرة مقتضى للفتح لازمة له. ومن هنا أيضا كان قول الله لبني إسرائيل: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) ، ولذلك دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة ساجدا وأمر الصحابة أن تقول: حطة، فلما قالتها قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها الكلمة التي أمر الله بني إسرائيل أن يقولوها فلم يقولوها) .
(1) النبوات
(2) أخرجه البخاري في الدعوات (97) 98/ 11) من حديث شداد بن أوس.