ويحدد النبي صلى الله عليه وسلم العلاقة بين الخير والشر في هذا الوجود فينفي على أساس هذا التصور أن يكون الخير سببا ذاتيا للشر وذلك عندما سأله أعرابي قائلا: يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر؟! فسكت الني صلى الله عليه وسلم قلنا يوحي إليه وسكت الناس كأن على رؤوسهم الطير ثم أنه مسح عن وجهه الرحضاء فقال: أين السائل آنفا؟ وخير هو (ثلاث) إن الخير لا يأتي إلا بالخير وإنه كلما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم كلما أكلت حتى إذا آمتلأت خاصرتها استقبلت الشمس فثلطت وبالت ورتعت [1] .
ولعلنا نلحظ عمق الإجابة بما يتفق مع عمق السؤال؛ وخصوصا عندما نحاول تفسير الإجابة ومضمونها إنه مثلما ترعي بقرتان مما ينبت الربيع فرعت واحدة وأكلت بصورة خاطئة فحبطت وماتت ورعت الأخرى وأكلت بصورة صحيحة ثم (استقبلت الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت) ، فإن هذا يعني أن أخذ البقرة الأولى (لما ينبت الربيع) ، هو الذي قتلها وأخذ البقرة الثانية (لما ينبت الربيع) ، هو الذي أفادها وعلى هذا كانت الإجابة أن الخير لا يأتي إلا بالخير، ولكن أخذ الناس للخير بصورة خاطئة هو الذي ينشىء الشر [2] .
ويقول ابن القيم في تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك) [3] ، فهذا النفي يقتضي امتناع إضافة الشر إليه تعالى بوجه. فلا يضاف إلى ذاته ولا صفاته ولا أسمائه ولا أفعاله. وتحقيق ذلك أن الشر ليس إلا الذنوب وعقوبتها كما في خطبته صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا) [4] ، فاعلم أن الشر كله يرجع إلى العدم، أعني عدم الخير وأسبابه المفضية إليه وهو من هذه الجهة شر، وأما من جهة وجوده المحض فلا شر فيه.
مثال له: إن النفوس الشريرة وجودها خير من حيث هي موجودة، وإنما حصل لها الشر بقطع مادة الخير، فإنها خلقت من الأصل متحركة لا تسكن فإن أعينت بالعلم وإلهام الخير تحركت، وإن تركت تحركت بطبعها في خلافة وحركتها من حيث هي حركة إنما تكون شرا بالإضافة، لا من حيث هي حركة.
والشر كله ظلم وهو وضع الشىء في غير موضعه فلو وضع في موضعه لم يكن شرا فعلم أن جهة الشر فيه نسبة إضافية، ولهذا كانت العقوبة الموضوعة في محالها خيرا في نفسها وإن كانت شرا بالنسبة إلى المحل الذي حلت به لما أحدثت من الألم وكانت الطبيعة قابلة لضده من اللذة فصار الألم شرا بالنسبة لها وهو خير بالنسبة إلى الفاعل حيث وضعه موضعه، فإنه سبحانه لا يخلق شرا محضا من جميع الوجوه والاعتبارات، فإن حكمته تأبي ذلك، بل قد يكون ذلك المخلوق شرا ومفسدة ببعض الاعتبارات، وفي خلقه مصالح وحكم واعتبارات أخر أرجح من اعتبارات مفاسدة.
بل الواقع منحصر في ذلك فلا يمكن في جانب الحق جل جلاله أن يريد شيئا يكون فسادا من كل وجه بكل اعتبار لا مصلحة في خلقه بوجه ما هذا من أبين المحال فإنه سبحانه بيده الخير، والشر ليس إليه بل كل ما إليه خير والشر إنما لعدم هذه الإضافة والنسبة إليه فلو كان إليه لم يكن شرا فتأمله، فانقطاع نسبته إليه هو الذي صيره شرا.
(1) الحديث رواه البخاري في الجهاد (48/ 6) باب فضل النفقة في سبيل الله، وكرر في الرقاق (244/ 11) ، ومسلم في الزكاة (142/ 6) كلاهما من حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2) حكمة الدعوة للكاتب.
(3) هو قطعة من حديث أخرجه مسلم في (صلاة الليل) [57/ 6)، وأهل السنن الأربعة من حديث عبد الله بن أبي رافع عن على بن أبي طالب رضي الله عنه.
(4) حديث صحيح أخرجه أبو داود في النكاح (153/ 6) ، وابن ماجه وأحمد (3721) .