الصفحة 23 من 164

فإن قلت لم تنقطع نسبته اليه خلقا ومشيئتة، قلت: هو من هذه الجهة ليس بشر فإن وجوده هو المنسوب إليه وهو من هذه الجهة ليس بشر والشر الذي فيه من عدم إمداده بالخير وأسبابه. والعدم ليس بشىء حتى ينسب إلى من بيده الخير.

فإن أردت مزيد إيضاح ذلك فاعلم أن أسباب الخير ثلاثة:

الإيجاد، والإعداد، والإمداد، فهذه هي الخيرات وأسبابها فإيجاد السبب خير وهو إلى الله، وإعداده خير وهو إليه أيضا وإمداده خير وهو إليه أيضا، فإذا لم يحدث فيه إعداد ولا إمداد حصل فيه الشر بسبب هذا العدم الذي ليس إلى فاعل، وإنما إليه ضده، فإن قلت: فهلا أمده إذ أوجده؟! قلت: إذا اقتضت الحكمة إيجاده وإمداده فإنه سبحانه يوجد ويمد، وما اقتضت الحكمة إيجاده وترك إمداده أوجده بحكمته، ولم يمده بحكمته، فإيجاده خير والشر وقع من عدم إمداده.

ب) حقائق الاظهار من حيث أصول الخلق:

بعد إثبات حقائق الإظهار من حيث الأسماء والصفات والأفعال يأتي بعدها حقائق الإظهار من حيث الخلق، وهي الأخرى لها عدة أصول تحقق إظهار آثار أسماء الله وصفاته في جميع الخلق، وهي بذاتها الحقائق العامة الشاملة لجميع الخلق وهي:

1)حقيقة التنوع.

2)حقيقة التقابل.

3)حقيقة التوازن.

1)حقيقة التنوع:

وهي أبرز ظواهر الخلق، فهذه الجمادات والحيوانات المختلفة الأشكال والمقادير والصفات والمنافع، والقوي والأغذية والنباتات التي هي كذلك، فيها من الحكم والمنافع ما قد أكثرت الأمم في وصفة وتجربته على مر الدهور، ومع ذلك فلم يصلوا منه إلا إلى أيسر شيء وأقله بل لو اتفق جميع الأمم لم يحيطوا علما بجميع ما أودع واحد من ذلك النوع من الحكم والمصالح.

هذا إلى ما في ضمن ذلك من الاعتبار والدلالة الظاهرة على وجود الخالق ومشيئته واختياره، وعلمه وقدرته وحكمته؛ فإن المادة الواحدة لا تحتمل بنفسها هذه الصور الغريبة والأشكال المتنوعة والمنافع والصفات. فحصول هذا التنوع والتفاوت والاختلاف في الحيوان والنبات من أعظم آيات الرب تعالى ودلائل ربوبيته وقدرته وحكمته وعلمه وأنه فعال لما يريد اختيارا ومشيئة، فتنوع مخلوقاته وحدوثها شيئا بعد شيء من أظهر الدلالات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت