وتامل كيف أرشد القرآن إلى ذلك في غير موضع كقوله تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ، وقوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ، وقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ وقال تعالى:(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ، وقال تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
فتأمل كيف نبه سبحانه باختلاف الحيوانات في المشى مع اشتراكها في المادة على الاختلاف فيما وراء ذلك من أعضائها وأشكالها وقواها وأفعالها وأغذيتها ومساكنها، فنبه على الاشتراك والاختلاف، فيشير إلى يسير منه فالطير كلها تشترك في الريش والجناح وتتفاوت فيما وراء ذلك أعظم تفاوت، واشتراك ذوات الحوافر في الحافر كالفرس والحمار والبغال وتفاوتها فيما وراء ذلك، واشتراك ذوات القرون فيها وتفاوتها في الخلق والمنافع والاشكال، واشتراك حيونات الماء في كونها سابحه تأوى فيه وتتكون وتفاوتها أعظم تفاوت عجز البشر إلى الآن عن حصره، واشتراك الماشى منها على بطنه في ذلك وتفاوت نوعه واشتراك الماشى على رجلين في ذلك، وتفاوت نوعه أعظم تفاوت.
وكل من هذه الأنواع له علم وإدراك وتحايل على جلب مصالحه ودفع مضاره يعجز كثير منها نوع الأنسان فمن أعظم الحكم الداله الظاهرة على معرفة الخالق الواحد المستولي بقوته وقدرته وحكمته على ذلك كله بحيث جاءت كلها مطيعة منقادة إلى ما خلقها له على وفق مشيئته وحكمته، وذلك أدل شيء على قوته القاهرة وحكمته البالغة وعلمه الشامل، فيعلم إحاطة قدرة واحدة وعلم واحد وحكمة واحدة بالنوع من قادر واحد حكيم واحد بجميع هذه الأنواع أوضعافها مما لا تعلمه العقول البشرية كما قال: (وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ) ، وقال: (فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ) ، فيجمع غايات فعله وحكمة خلقه وأمره إلى غاية واحدة هي منتهي الغايات وهي إلهية الحق التي كل إلهية سواها فهي باطل ومحال، فهي غاية الغايات ثم ينزل منها إلى غايات أخر هي وسائل بالنسبة إليها وغايات بالنسبة إلى ما دونها، (وأن إلى ربك المنتهى) .
فليس وراءه معلوم ولا مطلوب ولا مذكور إلا العدم المحض وليس في الوجود إلا قدرة الله ومفعولاته وهي آثار أفعاله، وأفعاله آثار صفاته، وصفاته قائمة به من لوازم ذاته.