والمقصود أن الغايات المطلوبة العلم بإحاطة علم واحد من عالم واحد، وفعل واحد من فاعل واحد، وقدرة واحدة من قادر واحد، وحكمة واحدة من حكيم واحد؛ بجميع ما فيه على أختلاف ما فيه، واجتمعت غايات فعله وأمره إلى غاية واحدة وذلك من أظهر أدلة توحيد الإلهية كما ابتدأت كلها من خالق واحد، وقادر واحد، ورب واحد، ودل على الأمرين أعني توحيد الربوبية والإلهية النظام الواحد، والحكمة الجامعة للأنواع المختلفة.
ودل افتقار بعضها إلى البعض، وتشبك بعضها ببعض، ومعاونة بعضها ببعض، وارتباطه به على أنها صنع فاعل واحد ورب واحد ليس معه آلهة وأرباب غيره، كما لا ترضي ملوك الدنيا أن يحتاج مملوك أحدهم إلى مملوك غيره مثله لما في ذلك من النفص والعيب المنافي لكمال الاقتدار والغناء، ودل انتظامها في الوجود ووقوعها في ثباتها واختلافها على أكمل الوجوه وأحسنها على انتهائها إلى غاية واحدة ومطلوب واحد هو الهها الحق ومعبودها الأعلي الذي لااله لها غيره ولامعبود له سواه.
فتأمل كيف دل اختلاف الموجودات وثباتها واجتماعها فيما اجتمعت فيه وافتراقها فيما أفترقت على إله واحد، ودلت على صفات كماله ونعوت جلاله سبحانه وتعالى. وللتنوع قاعدة عامة تعرف باسم (القسمة الرباعية) ، وهي التي أشار إليها ابن القيم في تنوع الخلق وتنوع عملهم فيقول من حيث تنوع الخلق: ولهذا خلق سبحانه النوع الإنساني أربعة أقسام أحدها لا من ذكر ولا أنثي وهو خلق أبيهم وأصلهم آدم والثاني من ذكر بلا أنثي كخلق أمهم حواء من ضلع من أضلاع آدم من غي أن تحمل بها أنثي، ويشتمل عليها بطن، والثالث خلقه من أنثي بلا ذكر كخلق المسيح عيسى ابن مريم، والرابع خلق سائر النوع الإنساني من ذكر وأنثي، وكل هذا ليدل على كمال قدرته، ونفوذ مشيئته، وكمال حكمته، وأن الأمر ليس كما يظنه أعدائه الجاحدون له والكافرون به من أن ذلك أمر طبيعي لم يزل هكذا ولا يزال، وأنه ليس للنوع أب ولا أم وأنه ليس إلا أرحام تدفع وأرض تبلغ وطبيعة تفعل ما يرى ويشاهد، ولم يعلم هؤلاء الجهال الضلال أن الطبيعة قوة وصفة فقيرة إلى محلها محتاجة إلى فاعل لها وأنها من أدل الدلائل على وجود أمره بطبعها وخلقها. وأودعها الأجسام وجعل فيها هذه الأسرار العجيبة. فالطبيعة مخلوق من مخلوقاته، ومملوك من مماليكه وعبيده مسخرة لأمره تعالى، منقادة لمشيئته. ودلائل الصنعة وأمارات الخلق والحدوث وشواهد الفقر والحاجة شاهدة عليها بأنها مخلوقة مصنوعة لا تخلق ولا تفعل ولا تتصرف في ذاتها ونفسها فضلآ عن إسناد الكائنات إليها.
وبعد تطبيق قاعدة القسمة الرباعية على النوع الإنساني ينتقل إلى تطبيقها على السلوك الإنساني وذلك من حيث الإخلاص والمتابعة والعلم والعمل كمثال تطبيقي لقاعدة القسمة الرباعية.
أما من حيث الإخلاص والمتابعة من الخلق: فيقول ابن القيم في مدارج السالكين [1] : والناس منقسمون بحسب هذين الأصلين أربعة أقسام:
أحدهما: أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة.
والثاني: من لا إخلاص له ولا متابعة.
والثالث: من هو مخلص في عمله لكنها على غير متابعة.
والرابع: من أعماله على متابعة الأمر بغير اخلاص لله.
ومن حيث العلم والعمل: وهداية الجنس البشري ففيه قول الله عز وجل: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) . حيث يأتي تفسيرها فيقسم الناس أربعة أقسام:
القسم الأول: (الأيدي القوي في تنفيذ الحق، والأبصار البصائر في الدين والأنبياء هم أشرف الأقسام في الخلق) .
والقسم الثاني: بعكس هؤلاء من لا بصيرة له في الدين ولا قدرة على تنفيذه الحق وهم أكثر الخلق.
(1) ص: 45