والقسم الثالث: من له بصيرة بالحق ومعرفة به لكنه ضعيف لا قوة له على تنفيذه والدعوة إليه وهذا حال المؤمن الضعيف.
القسم الرابع: من له قوة وهمة وعزيمة ولكنه ضعيف البصيرة في الدين.
2)التقابل:
وهو الحقيقة الثابتة بعد التنوع وهو مقتضى حكمة الخالق، وفيه يقول ابن القيم: إن الحكمة إنما تتم بخلق المتضادات والمتقابلات كالليل والنهار، والعلو والسفل، والطيب والخبيث، والخفيف والثقيل، والحلو والمر، والبرد والحر، والألم واللذة، والحياة والموت، والداء والدواء، فخلق هذه المتقابلات هو محل
ظهور الحكمة الباهرة ومحل ظهور القدرة القاهرة والمشيئة النافذة والملك الكامل التام فتوهم تعطيل خلق هذه المتضادات تعطيل لمقتضايات تلك الصفات وأحكامها وآثارها. وذلك عين المحال، فإن لكل صفة من الصفات العليا حكما ومقتضيات وأثرا هو مظهر كمالها، وإن كانت كاملة في نفسها لكن ظهور آثارها وأحكامها من كمالها فلا يجوز تعطيله، فإن صفة القادر تستدعي مقدورا، وصفة الخالق تستدعي مخلوقا، وصفة الوهاب الرزاق المعطي المانع الضار النافع المقدم المؤخر المعز المذل العفو الرؤوف تستدعي آثارها وأحكامها، فلو عطلت تلك الصفات عن المخلوق المرزوق المغفور له المرحوم المعفو عنه لم يظهر كمالها وكانت معطلة عن مقتضياتها وموجباتها، فلو كان الخلق كلهم مطيعين عابدين حامدين لتعطل أثر كثير من الصفات العلى والأسماء الحسنى، وكيف كان يظهر أثر صفة العفو والمغفرة، والصفح والتجاوز، والانتقام والعز والقهر، والعدل والحكمة التي تنزل الأشياء منازلها وتضعها مواضعها؛ فلو كان الخلق كلهم أمة واحدة لفاتت الحكم والآيات والعبر والغايات المحمودة في خلقهم على هذا الوجه، وفات كمال الملك والتصرف. فإن الملك إذا اقتصر تصرفه على مقدور واحد من مقدوراته فإما أن يكون عاجزا عن غيره فيتركه عجزا أو جاهلا بما في تصرفه في غيره من المصلحة فيتركه جهلا. وأما أقدر القادرين وأعلم العالمين وأحكم الحاكمين فتصرفه في مملكته لا يقف على مقدور واحد لأن ذلك نقص في ملكه.
فالكمال كل المكمال في العطاء والمنع، والخفض والرفع، والثواب والعقاب، والإكرام والإهانة، والإعزاز والإذلال، والتقديم والتأخير، والضر والنفع، وتخصيص هذا دون هذا، وإيثار هذا على هذا ولو فعل هذا كله بنوع واحد متماثل الأفراد لكان ذلك منافيا لحكمته. وحكمته تأباه كل الإباء، فإنه لا يفرق بين متماثلين، ولا يسوي بين مختلفين. وقد عاب على من يفعل ذلك وأنكر على من نسبه إليه والقرآن مملوء من إنكاره على من يفعل ذلك فكيف يجعل له العبيد ما يكرهون، ويضربون له المثل السوء، وقد فطر الله عباده على إنكار ذلك من بعضهم على بعض، وطعنهم على من يفعله وكيف يعيب الرب سبحانه من عبادة شيئا ويتصف هو به وهو سبحانه إنما عابه لأنه نقص فهو أولى أن يتنزه عنه.
وإذا كان لابد من ظهور آثار الأسماء والصفات ولا يمكن ظهور آثارها إلا في المتقابلات، المتضادات لم يكن في الحكمة بد من إيجادها إذا لو فقدت لتعطلت الأحكام بتلك الصفات وهوالمحال [1] .
ويقول ابن القيم في موضع آخر من نفس الكتاب: إن من أسمائه الأسماء المزدوجة كالمعز المذل، والخافض الرافع، والقابض الباسط، والمعطي المانع، ومن صفاته الصفات المتقابلة كالرضا والسخط، والحب والبغض، والعفو والانتقام، وهذه صفات كمال وإلا لم يتصف بها ولم يتسم بأسمائها وإذا كانت صفات كمال فإما أن يتعطل مقتضاها وموجبها وذلك نقص وعيب يتعالي عنه؛ فيتعين تعلقها بمحالها التي تليق بها وهذا وحده كاف في الجواب لمن له فقه في باب الأسماء والصفات.
3)التوازن:
(1) شفاء العليل ص 460.