وهو الظاهرة الأساسية والنهائية بعد التنوع والتقابل.
وفيها يقول ابن القيم: الموجودات بأسرها كمعسكر واحد لملك واحد وسلطان واحد يحفظ بعضه ببعض، وينظم مصالح بعضه ببعض، ويسد خلل بعضه ببعض، فيمد هذا بهذا، ويقوي هذا بهذا، وينقص من هذا فيزيده في الآخر يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، فيبيد هذا فينشىء مكانه من جنسه ما يقوم مقامه ويسد مسده فيشهد حدوث الثاني أن الذي أحدثه وأوجده هو الذي أحدث الأول لا غيره، وأن حكمته لم تتغير منها، ولا يضمحل باضمحلاله، ولا يتلاشي بتلاشيه، بل هو الحي القيوم العزيز الحكيم، هذا إلى ما في لوازم كثرتها وانتظام بعضها ببعض، وما يصدر عنها من الأفعال والآثار من حكم وأفعال أخرى وغايات أخرى حكمها حكم موادها وحواملها، كما نشاهده في أشخاصها وأعيانها.
مثال ذلك في أحدوثة واحدة أنك تري المعدة تشاق الغذاء وتجتذبه إليها، فانظر لوازم ذلك قبل تناوله، ولوازمه بعد تناوله، وما يترتب على تلك اللوازم من عمارة الدنيا، فإذا جذبته إليها أنضجته وطبخته كما تنضج القدر ما فيها فتنضجه الإنضاج الذي تعده لتغذي جميع أجزاء البدن وقواه وأرواحه به وهي إذا أنضجته لأجل نصيبها الذي ينالها منه فهو قليل من كثير بالنسبة إلى انتفاع غيرها به فيدفع ما فضل عن غذائها عنها إلى من هو شديد الحاجة إليه على قدر حاجته، من غير أن يقصد ذلك أو يشعر به، ولكن قد قصده وأحكمه من هو بكل شيء عليم وعلى كل شي قدير، يدبره بحكمته ولطفه وساقه في المجاري التي لا ينفذ فيها الإبر لدقة مسالكها حتى أوصله إلى المحتاج إليه الذي لا صلاح له إلا بوصوله إليه، وكانت طبيعة الكبد ومزاجها في ذلك تلي طبيعة المعدة وفعلها يلي فعلها، وكذلك الأمعاء وباقي الأعضاء كالكبد للقلب في إعداد الغذاء، والقلب للرئة، والرئة للقلب في إعداد الهواء وإصلاحه فالأعضاء الموجودة في الشخص إذا تأملتها وتأملت أفعالها ومنافعها وما تضمنه كل واحد منها من حكمة اختصت به كشكلة ووصفه ومزاجه ووضعه من الشخص بذلك الموضع المعين علمت علما يقينا أن ذلك صادر عن خالق واحد ومدبر واحد، وحكيم واحد، فانتقل من هذا إلى أشخاص العالم شخصا من النوع الإنساني تجد الحكمة الواحدة الظاهرة في تلك الأفراد الكثيرة قد نفعت بعضهم ببعض وأعانت بعضهم ببعض حراثا لزراع، وزراعا لحاصد، وحائكا لخياط، وخياطا لنجار، ونجارا لبناء، فهذا يعين هذا بيده، وهذا برجله، وهذا يعينه بعينه، وهذا بأذنه، وهذا بلسانه، وهذا بماله.
وإذ لا يقدر أحدهم على جميع مصالحه، ولا يقوم بحاجاته ولا توجد في كل واحد منهم جميع خواص نوعه فهم بأشخاصهم الكثيرة كإنسان واحد يقوم بعضه بمصالح بعض قد كمل خواص الإنسانية في صفاته وأفعاله وصنائعه وما يراد منه، فإن الواحد منهم لا يفي بأن يجمع جميع الفضائل العلمية والعملية والقوة والبقاء فجعل ذلك في النوع الإنساني بجملته.
والله سبحانه قد فرق كمالات النوع في أشخاصه، وجعل لكل شخص منها ما هو مستعد قابل له، بحيث لو قبل أكثر من ذلك لأعطاه؛ فإنه جواد لذاته قد فاض جوده وخيره على العالم كله، وفضل عنه أضعاف ما فاض عليه فهو يفيضه على تعاقب الآنات أبدا، وكذلك يفضل في الجنه عن أهلها فينشىء لها خلقا يسكنهم فضلها، وإنما يتخصص فضله بحسب استعداد العوامل والمعدات وذلك بمشيئته وحكمته، فهو الذى أوجدها، وهو الذى أعدها، وهو الذى أمدها.