الصفحة 28 من 164

ولما كان جوده وفضله أوسع من حاجة الخلق لم يكن بد من بقاء كثير منه مبذولا في الوجود مهملا وهذا كضوء الشمس مثلا، فإن مصالح الحيوان لا تتم إلا به، وهي تشرق على مواضع فضلت عن حوائج بني آدم والحيوان وكذلك المطر والنبات وسائر النعم، ومع ذلك فلم يعطل وجودها عن حكم ومصالح وعبر ودلالات، وعطاء الرب، ونعمة أوسع من حوائج خلقه فلا بد أن يبقي في المياه والأقوات والنبات وغير ذلك أجزاء مهملة؛ ولا يقال ما الحكمة في خلقها فإن هذا السؤال جاهل ظالم؛ فإن الحكمة في خلق الأرض وما عليها ظاهرة لكل بصير، والمعمور بعضها لا كلها، والرب تعالى واسع الجود دائمة، فجوده وخيره عام دائم فلا يكون إلا كذلك، فإن ذلك من لوازم عمله وقدرته وحكمته.

ولعلمه وقدرته وحكمته العموم والشمول والكمال المطلق بكل اعتبار، فيعلم من استقراء العالم وأحواله، انتهاؤه إلى عالم واحد، وقادر واحد وحكيم واحد، أتقن نظامه أحسن الإتقان، وأوجده على أتم الوجود.

وهو سبحانه ناظم أفعال الفاعلين مع كثرتها، ورابط بعضها ببعض ومعين بعضها، وجاعل بعضها، وجاعل بعضها سببا لبعض وغاية لبعض، وهذا من أدل الدليل على أنه خالق واحد ورب واحد وقادر واحد دل على قدرته كثرة أفعاله وتنوعها في الوقت الواحد وتعاقبها على تتالي الآنات وتغير تصرفاته في مخلوقاته على كثرتها.

ودل على علمه وحكمته كون كل شيء كبير وصغير ودقيق وجليل داخلا في النظام الحكمى ليس منها شيء حتى مسام الشعر في الجلد ومراشح اللعاب في الفم ومجاري الشعب الدقيقة من العروق في أصغر الحيوانات التي تعجز عنها أبصارنا ولا تنالها قدرتنا. هذا فيما دق لصغره وفيما جل لعظمة كالرياح الحاملة للسحب الى الأرض الجرز التي لا نبات بها فيمطرها عليها فيخرج بها نباتا، ويحي بها حيوانا ويجعل فيها جزئين من الطعام والشراب والأقوات والأدوية دع مافوق ذلك من تسخير الشمس والقمر والنجوم، واختلاف مطالعها ومغاربها لإقامة دولة الليل والنهار وفصول العام التي بها نظام مصالح من عليها.

فإذا تأملت العالم وجدته كالبيت المبني المعد، فيه جميع عباده، فالسماء سقفه الأرض بساطة، والنجوم زينته، والشمس سراجه، وفيه مصالح سكانه، فالليل سكنهم، والنهار معاشهم، والمطر سقياهم والنبات غذاؤهم ودوائهم وفاكهتهم والحيوان خدمهم ومنهم قوتهم ولباسهم، والجوهر كنوزهم وذخائرهم كل شئ منها لم يصلح له، وذلك أدل دليل على محدايته والتوازن لايقف عند مجرد العلاقة بين العناصر ولكنه يمتد إلى العلاقة بين الحجم والعمر والعدد في وجود العنصر الواحد، مثال ذلك الانسان حيث ان قاعدة التوازن في وجوده تقوم على عدة حقائق أنما كلما زاد العدد صغر الحجم ونقص العمر ففي الوقت الذي كان فيه حجم الانسان كبيرا وعمره طويلا كان عدده قليلا ففي بداية الخلق كان أدم طوله ستون ذراعا ولايزال الخلق يتناقص [1] وكان عمر أبنائه ألف عام في المتوسط عندما كان عددهم قليل، وكلما مر الوقت تغير الحجم فأصبح قليلا وقل العمر وسار عددهم يزيد.

(1) رواه البخاري في الاستئذان (3/ 11) ، وغيره، ومسلم في الجنة رقم (2841)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت