والعجب كل العجب ممن يرى خطأ حسنا أو نقشا حسنا على حائط فيستحسنه فيصرف جميع همه إلى التفكر في النقاش والخطاط وأنه كيف نقشه وخطه، وكيف اقتدر عليه، ولا يزال يستعظمه في نفسه ويقول: ما أحذقه، وما أكمل صنعته، وأحسن قدرته، ثم ينظر إلى هذه العجائب في نفسه وفي غيره ثم يغفل عن صانعه ومصوره، فلا تدهشه عظمته، ولا يحيره جلاله وحكمته!
فهذه نبذة من عجائب بدنك التي لا يمكن استقصاؤها، فهو أقرب مجال لفكرك، وأجلي شاهذ على عظمة خالقك، وأنت غافل عن ذلك مشغول ببطنك وفرجك، لا تعرف من نفسك إلا أن تجوع فتأكل، وتشبع فتنام وتشتهي فتجامع، وتغضب فتقاتل. والبهائم كلها تشاركك في معرفة ذلك وإنما خاصية الإنسان التي حجبت البهائم عنها معرفة الله تعالى بالنظر في ملكوت السموات والأرض، وعجائب الآفاق والأنفس، إذ بها يدخل العبد في زمرة الملائكة المقربين، ويحشر في زمرة النبيين والصديقين مقربا من حضرة رب العالمين.
وليست هذه المنزلة للبهائم ولا لإنسان رضي من الدنيا بشهوات البهائم، فإنه شر من البهائم بكثير، إذ لا قدرة للبهيمة على ذلك، وأما هو فقد خلق الله له القدرة، ثم عطلها، وكفر نعمة الله فيها فأولئك كالأنعام بل أضل سبيلا [1] .
وبعد إثبات أن الإنسان هو مضمون الوجود الكوني وأن الإنسان بذاته مجالا لحقائق الإظهار بما في ذلك إثبات الفاعلية القدرية البشرية ... نقدم نموذجا بشريا لتلك الفاعلية وهو داود عليه السلام وذلك لتعميق مفهوم الفاعلية القدرية للإنسان فقد كان لدلود اختصاصا قدريا وهو في عالم الذر.
كما جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة خلقها إلى يوم القيامة أمثال الذر، ثم جعل بين عين كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال: من هؤلاء يارب؟ فقال: هؤلاء ذريتك، فرأي فيهم رجلا أعجبه وبيص ما بين عينيه. فقال: يارب من هذا؟ قال: ابنك داود ويكون في آخر الأمم) [2] .
ومن عالم الذر إلى عالم الوجود حيث يتحدد الاختصاص في التوافق الكوني مع داود في التسبيح لله سبحانه. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة فقرأت السجدة، فسجدت الشجرة بسجودي، فسمعتها تقول وهي ساجدة: اللهم اكتب لي بها عندك أجرا، واجعلها لي عندك مدخرا، وضع بها عني وزرا، واقبلها كما قبلتها من عبدك داود. قال ابن عباس رضي الله عنهما: صفرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول وهو ساجد كما حكي الرجل عن كلام الشجرة [3] .
حدثنا بكر هو بن عبد الله المزني أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رضي الله عن رأي رؤيا أنه يكتب فلما بلغ الآية التي يسجد بها رأي الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدا قال: فقصصتها على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل يسجد بها بعد.
(1) احياء علوم الدين (ص 421 - 425 ج 2)
(2) أخرجه الترمذي في (التفسير) [3076)، وقال: (حسن صحيح) ، والحاكم في المستدرك (325/ 2) ، وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي
(3) أخرجه الترمذي في (الصلاة) [579)، وحسنه، والحاكم في المستدرك (219 - 320/ 1) ، وصححه ووافقه الذهبي وقال العلامة أحمد شاكر: (هو حديث صحيح)