الصفحة 51 من 164

ويمتد الاختصاص القدري لداود من عالم الذر إلى وجوده الكوني بالتوافق في التسبيح إلى تكوينه الشخصي حيث يتحدد الاختصاص بالحكمة كما في قوله: (وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) ، وبذلك يصبح داود بالتصور القدري مثالا بشريا؛ حيث تبلغ تلك المثالية حدها النهائي في الفاعلية البشرية لداود عليه السلام فتأتي تلك الفاعلية بالصفة الاجتماعية خلافة في الأرض كما جاء في قوله تعالى: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) .

وتأتي بالصفة المادية لين في الحديد: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) .

وتأتي بالصفة العقلية إلهاما بصنعه اللبوس كما قال تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَاسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) .

ثم تمتد الفاعلية البشرية بالتصور القدري لداود عليه السلام في ابنه سليمان كما قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) .

ومن منطق هذا الاختصاص وتلك الفاعلية تتحدد الشروط القدرية للأداة البشرية سعيا للالتزام بها، لتحقيق أقصي فاعلية للأداة البشرية في واقع الدعوة؛ وهذا ما حدده لنا النبي صلى الله عليه وسلم.

1)شرط الارتباط بالحق، كماقال تعالى: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) .

2)شرط التعبد، حيث كانت عبادة داود خير العبادة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحب الصلاة صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله عز وجل صيام داود: كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقي وأنه كان أوابا) [1] .

3)شرط الجهاد، بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: (وكان لا يفر إذا لاقي) [2] .

4)شرط السعي للرزق بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أكل أحد طعاما قط خير من عمل يده وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده) [3] .

2)الدائرة الإنسانية التاريخية:

اتفقنا على أن حقائق إظهار الأسماء والصفات هي بذاتها قواعد الوجود الكوني وحركته؛ وبهذا الاعتبار تصبح حقائق الإظهار أساسا لتفسير طبيعة الوجود البشري بصفته الكونية على مر الزمان، أي تفسير التاريخ، وبذلك تصبح حقائق الإظهار فرصة لتفسير التاريخ بالقدر الذي يصبح به التاريخ مجالا حيويا تطبيقيا لتلك الحقائق.

وبالطبع فإن الفرق بين حقائق الإظهار كقواعد للوجود الكوني والبشري وبين القواعد المستنبطة بشريا من استقراء الأحداث لتفسير التاريخ يكون واضحا من خلال عدة أمور:

(1) أخرجه البخاري (16/ 3) ، ومسلم (1159) ، وهو عند أبي داود والنسائي وابن ماجه وأحمد كلهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص دون الزيادة في آخره (ولا يفر إذا لاقي) ، وهذه الزيادة عند البخاري في الأنبياء (454/ 6) ، والترمذي في الصيام (770)

(2) انظر التعليق السابق

(3) أخرجه البخاري في البيوع: (303/ 4) من حديث المقدام بن معديكرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت