ونبدأ بحديث حذيفة بن اليمان قال: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال نعم وفيه دخن قلت؟ وما دخنه؟ قال: يا رسول الله صفهم لنا: قال: هم من جلدتنا يتكلمون بألسنتنا قلت: فلما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فان لم يكن لهم جماعة ولا امام؟ قال: فأعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) رواه البخاري في كتاب الفتن [1] .
فنري في الحديث كيف أن الجاهلية، وهي شر مطلق، قابلها ظهور الإسلام، وهوالخير المطلق ثم كان الشر بالإطلاق، ثم كان الخير وبه دخن وليس بإطلاق. فتضمن هذا الترتيب مفهوم التوازن من خلال حقيقة التقابل، ومن خلال حقيقة اتجاه التاريخ البشري إلى قيام الساعة نحو الشر المطلق. ونلحظ ذلك من أن المرحلة الأخيرة من الخير لم تأت مقابلة تماما لمرحلة الشر قبلها ولا لمرحلة الشر التي بعدها؛ فكانت مرحلة الخير الذي به دخن بين مرحلتين للشر المطلق.
أما الدليل المباشر نحو اتجاه التاريخ البشري نحو الشر المطلق فهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) [2] ، حتى يكون الناس الذين تقوم عليهم الساعة هم شر الناس؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن شر الناس الذين تقوم عليه الساعة والذين يتخذون القبور مساجد) [3] ، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم اتجاه الأيام بهذا الاتجاه فيقول: (ما يوم إلا الذي بعده أشر منه) [4] .
وفي إطار حقيقة التقابل بين الخير والشر والإتجاه نحو الشر المطلق تأتي كل علامات الساعة؛ حيث تبدأ العلامات الصغري، وهي كثرة الفتن ورفع العلم ونزول الجهل والجور، وهي مرحلة الشر المطلق، والتي يقابلها مرحلة ظهور المهدي المنتظر، وهي مرحلة الخير المقابلة لمرحلة الشر كما قال صلى الله عليه وسلم في المهدي: (يملأ الدنيا عدلا كما ملئت جور) ، ثم نزول عيسى: (حكما عدلا يكسر الصليب ويقتل الخنزير وهي إمتداد لمرحلة الخير التي بدأت بالمهدي ثم يكون يأجوج ومأجوج في وقت نزول عيسى عليه السلام ينتهي شرهم) ، فتتميز مرحلة الخير ببقاء عيسى عليه السلام حتى يموت لتكون مرحلة الشر الذي لا خير بعده وفيها تقوم الساعة.
وبعد هذه النظرة السريعة لقدر الخير والشر نعالج الموضوع من خلال التركيز على أهم محاور الخير والشر بصورة تفصيلية.
وأخطر محاور الخير والشر في علامات الساعة هو مقام النبوة كمحور للخير والدجال كمحور للشر، وهذان المحوران يجمعان كل عناصر الخير والشر القدري في مجموع علامات الساعة، ونبدأ بالدجال وحديث الجساسة.
(1) البخاري في الفتن (135/ 12) ، وفي الانبياء علامات النبوة ومسلم رقم (1847) في لإمارة. وغيرها من حديث ابي أدريس الخولاني عن حذيفة رضي الله عنه.
(2) البخاري في الشهادات (259/ 5) ، وغيره ومسلم (2533) في فضائل الصحابة من حديث ابن مسعود ولفظ البخاري: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجىء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) 0
(3) أخرج مسلم أوله رقم (2949) في الفتن من حديث ابن مسعود بلفظ: (لا تقوم الساعة إلا على أشرار الناس) 0
(4) البخاري في الفتن (19 - 20/ 13) - والترمذي أيضا - من حديث أنس بلفظ (لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم) 0