وقبل تفسير علامة الدجال نبدأ بحقيقة عارضة جديرة بالذكر وهي أنه لما كان تميم الداري سببا في تصديق إخبار النبي صلى الله عليه وسلم في الدجال، فقد جازاه النبي صلى الله عليه وسلم جزاء فيه مزيد من التصديق لإخبار النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أقطعه وكتب له الأرض التي سيدرك عليها عيسى ابن مريم الدجال ويقتله فيها إذ بباب اللد ورد في حديث (يقتل ابن مريم الدجال بباب اللد) [1] . رواه الترمذي وقال: حديث صحيح ورواه أحمد (مسنده) بأربعة طرق، وفي بعض طرقة إلى جانب (باب اللد) ، وباب اللد؛ بلدة في فلسطين قريبة من بيت المقدس وهو مكان بجانب المغارة التي ورد ذكرها في حديث آخر من أحاديث قتل الدجال، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (يدركه عند المغارة) .
أي يدرك عيسى الدجال عند المغارة وقد ورد في كتاب (ضوء الساري في خبر تميم الداري) ما نصه: وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم لتميم الداري القريتين الكائنتين بجانب المغارة وهي الأرض التي بها بلد سيدنا الخليل عليه الصلاة والسلام وما حولها من الأرض وكتب له ذلك في قطعة أديم من خف أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه. وقد ذكر الماوردي هذا العطاء في كتاب الأحكام السلطانية والولايات الدينية [2] فقال: إلا ما كان من شأن تميم الداري وابن ثعلبة الخشني، فيحتمل أن يكون إقطاعها تقليد لا إقطاع تمليك ويجوز أن يكون خصوصين بذلك لتعلقة بتصديق خبر أو تحقيق إعجاز.
والدجال هو أكبر فتنه تقع على الأرض فهو الذي يمثل كل جوانب الشر في علاقة التدافع مع الإسلام في إطار علامات الساعة.
ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم مفهوم الدفع في علامة الدجال إذ يقول: (تغرون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله) ، ويقول في حديث أخر: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم الدجال) [3] ، وهذا في التفسير قول الله عز وجل: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) .
إذ جاء تفسيرها عن مجاهد: حتى ينزل عيسى ابن مريم وبعد قتال الدجال وانتهاء حقيقة التدافع تقع الأمنة على الأرض: (يضع عيسى ابن مريم الحرب) ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية: (ولتذهبن الشحناء والتحاسد وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود مع الإبل والنمار مع البقر والذئاب مع الغنم ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهن) [4] . ولعلنا نلاحظ من الأمثلة الواردة في الحديث أنها تعني انتهاء العداء الطبيعي الموجود بين جميع الخلائق.
وقد اتفقنا في التفسير الإسلامي للتاريخ أن محاور التدافع البشري الدائر بين الخير والشر هي: العرق، والمال، والدين؛ وأن هذه المحاور الثلاثة هي من صنع الشيطان باعتباره الناقض لأمر الله، وأن الشيطان هو الطرف الأصلي للدفع؛ ومن هنا سيتمثل في الدجال كل محاور التدافع بين الخير والشر.
أما محور العرق فقد تضمنه الحديث السابق حيث ورد الدجال كعرق مستقل مع العرب والفرس والروم، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (تغزون جزيرة العرب، تغزون فارس، تغزون الروم، تغزون الدجال ... ) [5] .
(1) الترمذي في الفتن (2244) من حديث مجمع بن جارية قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وهو كما قال 0
(2) ص 191/ 192
(3) سبق تخريجه
(4) ابن ماجه (4077) نحوه وهو قطعة من حديث طويل يرويه أبو أمامة
(5) مسلم في الفتن رقم (2900) من حديث نافع بن عتبة، وهو عند أحمد (178/ 1) ، وغيره.