الصفحة 77 من 104

(( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) ) [1] 0

و (( السنن) هى تلك الطرق .. التى يؤدى كل منها إلى نهاية محددة في الحياة الدنيا، تترتب عليها نتيجة محددة في الآخرة 0

ومن رحمة الله بالبشر أن ثبت لهم هذه السنن، وإلا فلو كانت غير ثابتة فأى ارتباك يمكن أن يصيب البشر في رحلتهم، حين يسلكون طريقا قيل لهم إنه يؤدى إلى غاية معينة، فيجدون أنفسهم إزاء غاية أخرى غير التى اختاروا الطريق من أجلها؟

ومشيئة الله طليقة لا قيد عليها، يرتب ما شاء من النتائج على ما شاء من الأسباب، ولكنه رحمة منه بعباده، وتيسيرًا لهم في رحلتهم في الحياة الدنيا، قد ثبت لهم سننه ليسلكوها على بصيرة، وليحملوا مسئوليتهم كذلك كاملة يوم القيامة0

ومن رحمته كذلك، أن بين لهم هذه السنن في كتابه المنزل، فلم يرد لهم أن يضيعوا الجهد في التعرف على تلك السنن، حتى إذا عرفوها كان جهدهم قد أنهك في المحاولة والخطأ، ويكون الأوان قد فات! بل اراد لهم أن يكون جهدهم مبذولًا في الحركة المثمرة في الطرق التى وضحها لهم وبين لهم عواقبها، حتى يفوزوا بأفضل النتائج في عمرهم المحدود0

ولم يخف الله عنهم مشقة الطريق، حين تكون هناك مشقة في الطريق! بل بينها لهم كاملة من أول الطريق! بل بين لهم أكثر من ذلك أن طريق الإيمان طريق محفوف بالمخاطر والمتاعب والتضحيات، وأن الطريق الآخر حافل بالمغريات! ولكنه وضح لهم نهاية هذا الطريق وذاك! ودعاهم إلى اقتحام الطريق الأول، والصبر على عقبائه وتضحياته، وحذرهم من سلوك الطريق الآخر الملئ بالمغريات. وقال لهم إن أمامهم طريقين: طريقا وعرًا شاقا ينتهى بجنة الخلد، وطريقًا محفوفًا بالمغريات واللذائذ ينتهى إلى النار .. ثم تركهم يختارون!

وليست القضية قضية فرد يسلك هنا أو يسلك هناك00 إنما هى قضية الجموع البشرية .. فالسنن المعروضة لا تخص الفرد وحده، إنما تشمل الجميع 00 وتبين مصائر الأمم كما تبين مصائر الأفراد. ومن ثم، فهى مناهج تربوية تربى كل فرد على حدة، وفى الوقت ذاته تربى الجموع، فتكون جموعًا مهتدية إذا التزمت، أو جموعا ضالة إذا تنكبت الصراط المستقيم0

(( ولكن درجات مما عملوا ) ) [2] 0

بل إن الله - رحمة منه بعباده- لم يكتف ببيان (( رءوس المسائل ) )فى كتابه المنزل، ولا بيان السنن التى يجرى قدره من خلالها، بل عرض عليهم مصداق هذه السنن من خلال التاريخ، ووجههم أن يسيروا في الأرض فينظروا كيف انطبقت تلك السنن في عالم الواقع خلال التاريخ0

والقصص في القرآن يؤدى هذه المهمة 0

ففضلا عن الجانب الجمالى في السرد القصصى، الذى أشرنا إلى بعض معالمه في فصل الإعجاز البيانى، وما له من تأثير في الوجدان، فإن له هدفًا تربويا واضحا، هو بيان التطبيق الواقعى للسنن الربانية في واقع الحياة البشرية. وكثير من هذه السنن لا يستوعبها عمر الفرد المحدود، فقد تستغرق أجيالًا عدة من حياة البشر حتى تتحقق بتمامها. لذلك يجئ ذكرها مفصلا في كتاب الله، وتعرض وقائعها ليرى الناس أنها سنن حقيقية فاعلة في عالم الواقع، وليعلموا أنها متواترة لا تتخلف ولا تتغير ولا تتبدل، وليعتبروا بها فلا يسيروا في اتجاه مضاد لها0

وهذا ينطبق على كل القصص الواردة في كتاب الله بدءا من قصة خلق آدم، وقصة آدم مع الشيطان، التى يقول عنها رب العالمين إنها (( نبأ عظيم ) )، لأنها هى رأس القضية كلها بالنسبة للإنسان:

(1) سورة النساء: 165

(2) سورة الأنعام: 132 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت