الصفحة 47 من 104

نستطيع في كلمة مختصرة أن نقول عن الإعجاز التربوى في كتاب الله إنه هو الذى أخرج من القبائل المتناحرة في الجزيرة العربية (( أمة ) )لأول مرة في تاريخها، وليس أى أمة، إنما خير أمة أخرجت للناس00

لقد عاشت هذه القبائل أمدا لا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى، تتكلم لغة واحدة وإن اختلفت لهجاتها ما بين قبيلة وقبيلة، وتسكن أرضا متصلة وإن تباعدت أرجاؤها، وتتشابه عقائدها وإن اختصت كل قبيلة بوثن أو بضعة أو ثان، وتتماثل عاداتها وتقاليدها .. ولكنها مع ذلك لا تكون (( أمة ) )، لأن النزاعات والحروب المستمرة بين القبائل، وما يتخلف عنها من الثارات والحزازات المتجددة على مر الأيام، لا تجعل القلوب تصفو ولا تتوحد، ولا تتيح فرصة للنفوس كى تتقارب على أمر عام تلتقى عليه فتلتقى عنده، وتتجمع من الشتات00

وقد كانت تحدث أحيانا تحالفات بين بعض القبائل وبعض، ولكنها أبعد شىء عن أن تشكل (( أمة ) )متحدة متجانسة. فإنما هى تحالفات تقوم بها بعض القبائل ضد بعضها الآخر، لتزيد من قوتها فترهبها القبائل الأخرى، فلا تفكر في العدوان عليها أو الإغارة على مائها أو كلئها، بينما تتاح لها هى فرصة الإغارة والعدوان معتمدة على قوتها المستمدة من تحالفها مع قبيلة أخرى أو جملة قبائل تتقاسم معا على الولاء في السراء والضراء00!

وربما كان حلف الفضول أقرب شىء إلى التجمع على أمر عام، وهدف سام لا صلة له بالعدوان، وإنما هو لدفع العدوان ورد الحقوق المغتصبة وحماية الضعفاء، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عنه: دعيت إلى حلف في الجاهلية لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت .. ولكنه مع ذلك كان ما يزال في محيط (( القبائل ) )وليس نابعا من الرغبة في إقامة أمة موحدة، أو دولة موحدة00

وكان القرآن هو الذى حقق المعجزة 00

جمع القلوب المتنافرة، فتقاربت، فاتحدث، فالتحمت، لأول مرة في التاريخ، وعلى نحو غير مسبوق في التاريخ (( واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) ) [1] 0

كيف تحققت المعجزة؟

أما أنها معجزة .. وأما أنها تحققت بالفعل، فأمر يشهد به الواقع التاريخى ..

ولقد حاولت دعوى (( القومية العربية ) )ذات يوم أن تزعم لها طريقا إلى هذه الوحدة، فقالت إن الأمة العربية كانت تتوق إلى التجمع والتوحد ولكنها لا تجد (( الزعيم القائد ) )الذى يوحدها، فلما وجدته في شخص رسول الله صلى الله عليهم وسلم، سارعت إلى تحقيقه00

وليس شىء أكذب من هذا على التاريخ 00

فإن هذه (( الأمة ) )المزعومة لم تجتمع على شىء اجتماعها على حرب ذلك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وإيذائه والصد عنه وعن دعوته، واتهامه بالسحر والجنون والتلقى من الشياطين!

(( وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد(7) أفترى على الله كذبا أم به جنة )) [2] 0

(( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونكم بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون ) ) [3] 0

(( وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذى بعث الله رسولًا(41) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها )) [4] 0

إنما الذى حقق المعجزة هو القرآن 00

هو الذى ألان تلك القلوب الصلدة، وأذاب الران الذى كان يغشى القلوب فيكسوها بالطبقة المتحجرة التى تمنع النور من النفاذ إليها، وتصدها عن بشاشة الإسلام:

(1) سورة آل عمران: 103

(2) سورة سبأ: 6،7

(3) سورة القلم: 51

(4) سورة الفرقان: 41، 42

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت