الصفحة 48 من 104

(( الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابها تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدى به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد ) ) [1] 0

فأى شىء في هذا الكتاب هو الذى جمع تلك القبائل المتناحرة في أمة، ثم أخرج منها خير أمة أخرجت للناس؟

(( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) ) [2] 0

إذا استعرضنا الكتاب نجد أن القضية الكبرى فيه هى قضية لا إله إلا الله0

ولو تحرينا الأداة التى أخرج الله بها هذه الأمة إلى الوجود، لوجدنا أنها هى قضية لا إله إلا الله! فكيف تفعل لا إله إلا الله في القلوب والعقول، وكيف تفعل في الوجدان والسلوك، وكيف تصل في النهاية إلى بناء أمة متضامة متماسكة من لبنات كانت متنافرة من قبل، تأبى أن تجتمع في كيان غير كيان القبيلة، الذى يشكل في حس أصحابه ربا من الأرباب:

وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت، وإن ترشد غزية أرشد! [3]

بل كيف وصلت إلى تفتيت القبيلة، التى تقوم على رابطة الدم، إذا لم تستقم على الحق، وتنشئ بدلا منها كيانا متماسكا يقوم على رباط لا ينبع أساسا من رابطة الدم، وهو في الوقت ذاته أقوى من رابطة الدم بما لا يقاس؟!

(( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون(23) قل إن كان آباؤكم وأنباؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين )) [4] 0

فلنأخذ لبنة من اللبنات، ولنتتبع تحولاتها من الجاهلية إلى الإسلام00

هذا إنسان جاهلى 00 يعيش بفكر جاهلى، وقلب جاهلى، وسلوك جاهلى00 فما اهتماماته؟ لأى شىء يعيش؟! ما غاية الوجود في حسه وفى تصوراته؟

مجموعة من الشهوات من كل نوع: شهوة المال. شهوة القوة. شهوة الجنس. شهوة الطعام والشراب .. (( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا ) ) [5] 0

(( ألهاكم التكاثر(1) حتى زرتم المقابر )) [6] 0

(( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ) ) [7] 0

والفرصة المتاحة لهذا المتاع هى هذه الحياة الدنيا التى هى في حس أصحابها فرصة واحدة، إذا انقضت لا تعود. فضلا عن كونها ليست مضمونة من حيث استمرار الصحة أو القوة أو الثروة أو التمكن 00 ومن ثم فكل فرصة تسنح للاستمتاع فلا ينبغى أن تفوت، وكل نوع من المتاع ينبغى أن يباح، فلا حلال ولا حرام، ولا امتناع عن المتاح:

فلولا ثلاث هن من شيمة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودى!

فمنهن سبقى العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد

وكرى إذا نادى المضاف محنبا ... كسيد الغضا ... - نبهته - المتورد

وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهنكة تحت الطراف المعمد

فيذكر الشاعر [8] الخمر والحرب والنساء على أنها هى التى يحرص على الحياة من أجلها، ولولاها ما كان حريصا على الحياة ولا مباليا بالمرض أو الموت، وذلك بعد أن قال:

ألا أيهذا اللائمى أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات، هل أنت مخلدى؟!

فما دام أنه لا خلود، فدعنى إذا أعب من هذه الشهوات!

(1) سورة الزمر: 23،24

(2) سورة آل عمران: 110

(3) البيت لدريد بن الصمة

(4) سورة التوبة: 23،24

(5) سورة آل عمران: 14

(6) سورة التكاثر: 1،2

(7) سورة البقرة: 212

(8) هو طرفة بن العبد 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت