الصفحة 17 من 104

ونقصد بالإعجاز الدعوى: الإعجاز في بيان العقيدة الصحيحة بكل تفصيلاتها، والإعجاز في الوصول بها إلى مكامن النفوس بحيث تستقر فيها وترسخ نقية صافية من كل غبش، والإعجاز في تحويلها - بعد بيانها وترسيخها - إلى قوة فاعلة في شتى مجالات الوجود الإنسانى0

والعقيدة التى جاء بهذا القرآن هى التوحيد. وهى عقيدة الأنبياء جميعا من لدن آدم ونوح إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم جميعا 0 ولكنها لم تكن قط في أى كتاب أصفى منها في القرآن الكريم، ولا دخلت إلى نفوس الناس من كل منافذها وأقطارها كما دخلت عن طريق هذا الكتاب، ولا كانت قط مؤثرة في واقع الحياة على أوسع نطاق كما انبثقت من هذا الكتاب0

ولا عجب في ذلك، فالقرآن هو كلمة الله الأخيرة إلى البشرية، التى اكتمل بها الدين، وتمت بها النعمة، وأخرجت خير أمة:

(( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا ) ) [1] 0

(( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) ) [2] 0

إن كون الله هو الرب، وهو الخالق، عقيدة لا تحتاج إلى إرسال رسول، فهى كامنة في أعماق الفطرة:

(( وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ) ) [3] 0

وما أرسلنا رسول قط ليقول للناس إن هناك إلها، فالفطرة تعرف ذلك بغير رسول. ولا أرسل رسول قط ليقول للناس إن هناك إلها فاعبدوه. فالفطرة تتجه تلقائيا إلى عبادة الإله الذى تؤمن به.

إنما أرسل الرسل جميعا ليقولوا للناس: (( اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) ) [4] 0

ذلك أن مشكلة البشرية الكبرى لم تكن إنكار وجود الله، إنما كانت هى الشرك. ودعك مما سرى في الجاهلية المعاصرة من إلحاد ينكر وجود الله، فقد نشأ من ظروف خاصة، وله شياطينه الذين ينفخون فيه. ولكنه لون خاص من الانحراف لم يقع بصورته تلك في أى جاهلية من جاهليات التاريخ0

والذين حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: (( ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) ) [5] وسموا بالدهريين، كانوا على وجه اليقين منكرين للبعث، ولكن الآية لا تدل دلالة قاطعة على أنهم كانوا ينكرون وجود الله. فقد نسبوا الموت إلى الدهر بمعنى مرور الزمن، أى أنهم يولدون، ويحيون حياتهم، ثم يهلكون بمرور الزمن، ثم لا يبعثون مرة أخرى بعد الموت. وهؤلاء كانوا مطموسى البصيرة بلا شك. ولكنا لا نستطيع أن نقطع بأنهم كانوا منكرين لوجود الله، وإن أنكروا قدرة الله على البعث. فقد كان مشركو العرب ينكرون البعث، ولكنهم مع إنكارهم هذا - إذا سئلوا (( من خلق السموات والأرض ) )يقولون الله. وإذا سئلوا من خلقهم يقولون الله، كما سجل القرآن عليهم:

(( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ) ) [6] 0

ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله )) [7] 0

وأيا كان الأمر، فلئن وجد في القديم قلة من الناس ينكرون وجود الله -وهو أمر مشكوك فيه - فلم يحدث قط - إلا في الجاهلية المعاصرة - أن أصبح هذا اللون من الإلحاد (دينا) يدين به ملايين من البشر، لظروف بيناها في غير هذا الكتاب، وقام شياطين الإنس بنشره في الأرض، وتبنته الشيوعية دينا رسميا لدولتها. ولكن ما أن انهارت الشيوعية حتى عاد الناس في روسيا ذاتها إلى معتقداتهم الدينية السابقة، وأقروا بوجود الله، أيا كان في معتقداتهم من انحراف!

(1) سورة المائدة: 3 0

(2) سورة آل عمران: 110 0

(3) سورة الأعراف: 172 0

(4) سورة هود: 50، 61،84 0

(5) سورة الجاثية: 24 0

(6) سورة لقمان: 25.

(7) سورة الزخرف: 87 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت