المرض الأكبر إذن في الجاهليات هو الشرك، وهو الذى أرسل كل رسول لينتزعه من نفوس قومه. ثم أرسل الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم - لينتزعه من قلوب البشرية جمعاء، فآمن به من قدر له الهدى، وأبى من أبى بقدر من الله0
والشرك - وتوابعه - يسميها الله سبحانه وتعالى (( عبادة الشيطان ) )0
(( ألم أعهد إليكم يا بنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدونى هذا صراط مستقيم ) ) [1] 0
والأصل في الفطرة هو التوحيد، ولكن الشياطين يحاولون دائما إخراج الناس من صفاء التوحيد إلى كدر الشرك:
(( إنى خلقت عبادى حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين ) ) [2] 0
وهذا الاجتلاء يأخذ صورا شتى:
منها تأليه الجن والملائكة والشمس والقمر والنجوم والحجر والشجر، والزعم بأنها آلهة تعبد مع الله أو من دونه 00
ومنها ادعاء الولد لله 00
ومنها الاعتقاد بأن كائنا من كان له مشاركة مع الله في الخلق أو التدبير، أو له شفاعة مقبولة عند الله فيعبد ليقرب الناس من الله زلفى 00
ومنها إنكار الوحى والرسالات00
ومنها إنكار البعث 00
ومنها التحليل والتحريم (أى التشريع) بغير ما أنزل الله 00
ومنها اتباع الهوى والشهوات 00
وهى كلها انحراف عن عقيدة التوحيد، ورفض لإخلاص العبادة لله وحده بلا شريك0
ولها أسباب شتى، ولكنها تؤدى في النهاية إلى شىء واحد هو الكفر بالله0
وقد ينشأ الكفر من تعظيم زائد لأشخاص من البشر يصل إلى حد التقديس، كما حدث في عبادة الأصنام0
وقد ينشأ من فساد في الفطرة يهبط بها عن حالتها السوية التى فطرها الله عليها، والتى تتسع للإيمان بما تدركه الحواس (عالم الشهادة) والإيمان بما لا تدركه الحواس (عالم الغيب) ، فتنحصر في الإيمان بما تدركه الحواس، وتنشئ آلهة محسوسة، تتعبدها بدلا من الله الذى (لا تدركه الأبصار) [3] 0
وقد ينشأ من الاستكبار عن عبادة الله 0
وقد ينشأ من اعتداد الإنسان بنفسه وقوته اعتدادًا زائفًا يخيل إلى صاحبه أنه ذو قوة ذاتية فاعلة بذاتها 0
وقد ينشأ من الطغيان والتجبر على الناس، فيدعى الطاغية الألوهية لنفسه، ويلزم الناس بأداء شعائر التعبد له، أو يستعبدهم بالتشريع لهم بغير ما أنزل الله، وإخضاعهم لتشريعه، ومعاقبتهم إذا خرجوا على شرعه0
وقد ينشأ من تضخم الذات، فيعبد الإنسان ذاته، أو بالأحرى أهواءه وشهواته00
والإعجاز في كتاب الله أنه يعرض لهذه الأسباب كلها، لا يغادر شيئا منها. فيبرزها، ويندد بها، ثم يعالجها0
(( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) ) [4] 0
(( وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ) ) [5] 0
(( قال إنما أوتيته على علم عندى ) ) [6] 0
(( كلا إن الإنسان ليطغى(6) أن رآه استغنى )) [7]
(( فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة ) ) [8]
(( واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ) ) [9]
(( أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين(77) وضرب لنا مثلا ونسى خلقه قال من يحي العظام وهى رميم )) [10] 0
(( ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدًا(35) وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربى لأجدن خيرا منها منقلبا )) [11] 0
(( وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد(7) أفترى على الله كذبا أم به جنة )) [12] 0
(1) سورة يس: 60، 61
(2) أخرجه مسلم 0
(3) سورة الأنعام: 103 0
(4) سورة يونس: 18 0
(5) سورة سبأ: 35 0
(6) سورة القصص: 78 0
(7) سورة العلق: 6، 7 0
(8) سورة فصلت: 15 0
(9) سورة القصص: 39
(10) سورة يس: 77، 78
(11) سورة الكهف: 35،36 0
(12) سورة سبأ: 7،8 0