كل رسالة جاءت من عند الله كانت عقيدة وشريعة ومنهاجا للحياة 00
فأما العقيدة، فهى واحدة في الرسالات جميعًا ولم تتغير ولم تتطور كما يزعم علم مقارنة الأدبيان الجاهلى .. فقد كانت منذ أول رسالة إلى آخر رسالة هى (( لا إله إلا الله ) ) (( اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) )0 إنما الذى تغير وتطور هو عقائد الجاهلية، لأنها صناعة بشرية، تتأثر بأحوال البشر الذين يصنعونها، وتتغير معهم من حال إلى حال. ويجوز أن تكون قد تطورت كما يزعم علم مقارنة الأديان الجاهلى من عبادة الأب، إلى عبادة الطوطم، إلى عبادة قوى الطبيعة، إلى عبادة الأفلاك إلى عبادة الأصنام .. أما العقيدة الصحيحة منذ آدم إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى قيام الساعة، فهى عقيدة التوحيد، تفئ إليها البشرية حينا مع بعثة رسول أو نبى، ثم تنحرف عنها لونا من الانحراف، حتى يأتى رسول آخر يعيد الناس إلى العقيدة الصحيحة، فيعود من اهتدى، ويضل من يضل:
(( ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ) ) [1] 0
ثم جاء خاتم الرسل - صلى الله عليه وسلم - ليبلغ الكلمة ذاتها (( لا إله إلا الله ) ) (( اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) )، ولكن لا لقوم معينين، بل للبشرية جمعاء:
(( قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعًا الذى له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون ) ) [2] 0
هذا أمر العقيدة 00
أما أمر الشريعة فهو مختلف 00
(( لكل جعلنا منكم شرعة ومهاجًا 00 ) ) [3] 0
ثم كانت الشريعة الخاتمة التى تمت بها النعمة واكتمل الدين:
(( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينًا ) ) [4] 0
وقبل أن نتحدث عن بعض جوانب الإعجاز التشريعى في القرآن الكريم، نشير إلى قضية مهمة من القضايا التى تنحرف فيها الجاهلية المعاصرة، التى تدعو إلى دين يتمثل في عقيدة بلا شريعة .. أى علاقة بين العبد والرب، محلها القلب، ولا علاقة لها بواقع الحياة السياسى أو الاقتصادى أو الاجتماعى، فذلك - زعموا - من شأن البشر، وهم الذين يفتون فيه من عند أنفسهم، دون الرجوع إلى ما أنزل الله. ويسمون الحكم بما أنزل الله، أو المطالبة بتحكيم شريعة الله (( تسييسًا للدين ) )تحرمه الدساتير!!
وأوربا صنعت ذلك في دينها وشريعتها لظروف خاصة ألمت بها، تحدثنا عنها في أكثر من كتاب، خلاصتها أن أوربا لم تعرف الدين المنزل على حقيقته قط، إنما عرفت دينا محرفا، حرفه آباء الكنيسة، وهم لم يطبقوا شريعة الله قط (إلا في الأحوال الشخصية المتعلقة بالزواج والطلاق وشئون الأسرة ) ) ، وإنما طبقوا من عند أنفسهم - باسم الدين - طغيانًا بشعا نفر الناس من الدين، فثاروا عليه ونحوه من حياتهم، وحجموه في تلك العلاقة الخاصة بين العبد والرب، التى محلها القلب، ولا صلة لها بالواقع السياسى أو الاقتصادى أو الاجتماعى، إنما تحكم هذا الواقع قوانين البشر0
وأوربا حرة تفعل بدينها ما تشاء، ويوم تلقى ربها يحاسبها بما شاء سبحانه00
أما المسلمون، فهذه الدعوى غريبة كل الغربة عليهم، مبعثها الغزو الفكرى والانبهار بما عند الغرب، ورفض التلقى من عند الله، واتخاذ ما تفعله أوربا وحيا لابد من اتباعه!
(1) سورة النحل: 36
(2) سورة الأعراف: 158
(3) سورة المائدة: 48
(4) سورة المائدة: 3