الصفحة 88 من 104

إن الدين - كما تمثل في الرسالات السماوية كلها، والرسالة الأخيرة بصفة خاصة - ينزل (( مسيسًا ) )من عند الله سحانه وتعالى، وليس البشر هم الذين يسيسونه من عند أنفسهم! كما أن البشر لا يحق لهم أن يقولوا برأيهم في أمر قضى الله فيه سبحانه وتعالى بحكمه:

(( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا ) ) [1] 0

والذى قضى به الله سبحانه هو قوله:

(( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ) [2] 0

(( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) ) [3] 0

(( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) ) [4] 0

(( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا ) ) [5] 0

وبصرف النظر عن الجدل الذى يثار أحيانًا، فإن إجماع الأمة الذى لم يخرج عليه عالم واحد في تاريخ الأمة أن التشريع بغير ما أنزل الله كفر مخرج من الملة، وليس كفرا دون كفر كما يزعم المرجئة المحدثون!

إنه مسألة تتعلق مباشرة بعقيدة لا إله إلا الله 00 فالإله وحده - سبحانه وتعالى- هو الذى يحق له أن يقول: هذا حلال وهذا حرام0 هذا حسن وهذا قبيح. هذا مباح وهذا غير مباح (وهذا هو التشريع: منع وإباحة، وتحليل وتحريم، وتحسين وتقبيح) والله وحده هو صاحب الحق في ذلك، بكل صفات الألوهية والربوبية التى يتصف بها وحده - سبحانه وتعالى - والتى لا يشاركه فيها أحد من خلقه، وبصفة خاصة هذه الصفات: أنه هو الخالق، وأنه هو العليم الحكيم، وأنه هو اللطيف الخبير:

(( ألا له الخلق والأمر ) ) [6] 0

(( إن الله كان عليمًا حكيمًا ) ) [7] 0

(( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) ) [8] 0

فبما أنه هوالخالق سبحانه فهو صاحب الأمر، وبما أنه هو العليم الحكيم، اللطيف الخبير، فهو الذى يضع بعلمه وحكمته ما يصلح لأمر هذا الإنسان الذى خلقه، ويعلم كل خصائصه ودقائقه ومسارب نفسه:

(( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) ) [9] 0

هذه هى القضية في جوهرها، وهى قضية القضايا منذ وجد الإنسان على الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها 00 قضية من الإله؟ آلله أم غيره من الآلهة المزعومة؟ وهى في الجاهلية المعاصرة بصفة خاصة تأخذ صورة خاصة: الله أم الإنسان؟

فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الله، ويرتبون على علمهم هذا أن يعبدوه وحده بلا شريك، ويطيعوا أمره، ويتبعوا ما أنزل إليهم. وأما الذين استكبروا عن عبادته فهم يجادلون، ويستنكفون:

(( فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابًا أليمًا ولا يجدون لهم من دون الله وليًا ولا نصيرًا ) ) [10] 0

تلك إشارة لابد منها لمواجهة الجاهلية المعاصرة التى تدعو إلى عدم تحكيم شريعة الله، وإلى محاربة ما يطلقون عليه اسم (( الإسلام السياسى ) )واتخاذ العلمانية دينا بدلًا من الدين الإلهى0

ومن هذه الإشارة نعرج على بعض نواحى الإعجاز في الشريعة الربانية، التى أنزلها الله لتحكم حياة البشر إلى قيام الساعة 00

يتردد على لسان العلمانيين دائمًا هذا السؤال: أنى للشريعة التى نزلت قبل أربعة عشر قرنًا أن تحكم الواقع الموجود اليوم، وهو واقع يختلف أشد الاختلاف عن الواقع الذى نزلت فيه تلك الشريعة، فضلًا عن الزعم بأنها صالحة للمستقبل كذلك؟

(1) سورة الأحزاب: 36

(2) سورة المائدة: 44

(3) سورة المائدة: 45

(4) سورة المائدة: 47

(5) سورة النساء: 65

(6) سورة الأعراف: 54

(7) سورة النساء: 11

(8) سورة الملك: 14

(9) سورة ق: 16

(10) سورة النساء: 173

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت