ونقول نحن إن هذا أحد أوجه الإعجاز في الشريعة التى أنزلها الله، وأمر باتباعها، ولم يجعل لاتباعها حدا زمنيًا معينًا يجوز للبشر بعده أن يتخلوا عنها، ولم يحدد أحوالًا بيئية أو سياسية أو اقتصادية معينة يكف البشر فيها عن تطبيق الشريعة0
وإن مجرد القول بأن الظروف تغيرت معناه الشك في علم الله وحكمته. فكأنما علمه - نستغفر الله - كان ناقصا وقت تنزيل الشريعة، فلم يكن يعلم سبحانه أن الظروف ستتغير، وتأتى ظروف غير الظروف! وكأنما حكمته - نستغفر الله - كانت ناقصة، فلم يقدر سبحانه أثر تغير الظروف في صلاحية هذه الشريعة التى أنزلها وأمر باتباعها اتباعًا مطلقًا بغير تحديد!
وقد لا يدرك الذين يرفعون لافتة تغير الظروف أنهم بذلك يطعنون في علم الله وحكمته، ولكن هذا هو لازم قولهم، ولازم اعتقادهم، وعوا ذلك أو لم يعوه، وقصدوه أو لم يقصدوه. فلو أنهم آمنوا حقا بأن الله عليم حكيم لم تجرؤ تلك الخواطر الفاسدة أن تخطر على قلوبهم، وتفسد مشاعرهم تجاه الله ودينه وشريعته0
ولا عيب في أن يكون الإنسان جاهلا لأمر من الأمور التى تتعلق بدينه، ولكن عليه عندئذ أن يبحث عن الحق حتى يزيل جهالته، وأن يقول: (( رب زدنى علمًا ) ) [1] 00 أما أن يكون جاهلًا ويصر على جهله، ثم يزيد فيزعم أنه هو العالم، وأن الذين يخالفونه هم الجهال المتأخرون المتخلفون أعداء العلم وأعداء العقلانية وأعداء التقدم 00 فهذا من مصائب الجاهلية .. كل الجاهلية .. والجاهلية المعاصرة بصفة خاصة التى ترفع لافتة (( العلم ) )و (( التنوير ) )، وتضعها فوق ما أسماه (( ألكسيس كاريل ) )بالجهل المطبق في كتابه الشيق (( الإنسان، ذلك المجهول ) )! [2] 0
فى الحياة البشرية ما هو ثابت وما هو متغير00 وتلك من الحقائق التى لم تهتد إليها أوربا في جاهليتها: جاهلية القرون الوسطى، والجاهلية المعاصرة0
فأما في جاهلية القرون الوسطى- المظلمة عندهم [3] - فقد كان الفكر الأوربى الذى ثبته الكنيسة وتشرف عليه، يرى الثبات في كل شئ، وينظر إلى أى تغيير على أنه خروج على نواميس الكون، وخروج على طاعة الله، ومن ثم فهو ضلال وهرطقة، ومصيرهما البوار!
وأما في الجاهلية المعاصرة، التى اتخذت نظرية التطور الداروينية عمادا لكل تصوراتها، فإن الفكر الأوربى يرى أنه لا ثبات لشئ على الإطلاق في هذا الوجود، وأن الثبات على أى شئ مخالف لنواميس الكون، و (( قوانين الطبيعة ) )، ومن ثم فالدعوة إلى الثبات على أى شئ هو جهالة وجمود ورجعية، مصيرها البوار!
وفى كلتا حالتيها كانت أوربا واقعة في الضلالة!
فليس في الكون الذى خلقه الله ثبات مطلق لا يتغير، وليس فيه كذلك تغير لا ثبات فيه لشئ على الإطلاق! وإنما فيه تغير دائم في الأشكال تحكمه قوانين ثابتة هى سنن الله في الكون، سواء في ذلك الكون المادى، أو الحياة البشرية00 وهذه هى النظرية العلمية التى فاء إليها العلم أخيرًا بعد البحث والدراسة والتجريب0
كيان الذرة ثابت، والعلاقة بين مكوناتها ثابتة لا تتغير00 ولكن الذرات يمكن أن نتخذ أشكالات شتى، لا يحصيها إلا خالقها سبحانه، ولكنها في جميع أشكالها ذات كيان ثابت، والعلاقة بين مكوناتها ثابتة لا تتغير0
والحياة الإنسانية كذلك0
(1) سورة طه: 114 0
(2) يقول ألكسيس كاريل في كتابه هذا: إن جهلنا بحقيقة الإنسان جهل مطبق. وإننا - بهذا الجهل - نصنع حضارة لا تصلح للإنسان، لذلك يزداد الإنسان انحدار كلما زاد توغله في تلك الحضارة!
(3) كانت هذه الفترة ذاتها من أزهى العصور الإسلامية وأكثرها نورا!