ليس القرآن كتاب علوم! فلا هو كتاب في الفلك أو الفيزياء أو الكيمياء أو علم الحياة!
ولكنه مع ذلك يحوى إشارات في كل تلك العلوم!
وموضع هذه الإشارات في كتاب الله هو تعريف الناس بقدرة ربهم التى لا تحد، وبآيات قدرته في هذا الكون، ليعرفوا أنه لا إله غيره، ولا مدبر غيره، ولا رازق غيره، ولا مهيمن غيره، وأنه هو الفعال لما يريد، فيعبدوه وحده بلا شريك، ويتبعوا ما أنزل إليهم 00
وبعض هذه الإشارات كان معلوما مشاهدا بالنسبة للعرب المخاطبين بهذا القرآن أول مرة، فكان ذكرها لهم، وتذكيرهم بها، مقصودا به إزالة الغشاوة التى تغشى على بصائرهم فتجعلهم لا يدركون الدلالة الواضحة التى يجب أن تستمد منها، وهى أنه ما دام الله هو الذى يقدر، وهو على كل شىء قدير، ولا أحد يقدر قدرته، ولا يدبر تدبيره، ولا يهيمن هيمنته، فالعبادة ينبغى أن توجه إليه وحده، دون تلك الآلهة المزعومة التى لا تخلق، ولا تقدر، ولا تدبر، ولا تهيمن00
ولكن بعض هذه الإشارات كان جديدا على أولئك المخاطبين بالقرآن أول مرة، لا يعرفون أسرارها، أو لا يعرفون تفصيلاتها .. وقال لهم الله في كتابه المنزل إنهم سيعرفونها ذات يوم:
(( سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) ) [1] 0
(( وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها00 ) ) [2] 0
(( ولتعلمن نبأه بعد حين ) ) [3] 0
فأما الذين آمنوا فقد أخذوا هذه الإشارات بالتسليم، وإن كانوا لا يعرفون كل شىء عنها، ما دامت من عند ربهم الذى آمنوا به وصدقوه:
(( فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ) ) [4] 0
(( يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) ) [5] 0
ولكن أجيالًا وراء أجيال كانت تتعرف رويدًا رويدًا على بعض أسرار هذه الإشارات، فتزيدها المعرفة إيمانًا، وإن كانوا قد كانوا مؤمنين ومصدقين من قبل 00
وفى عصرنا الحديث هذا الذى اتسعت فيه دائرة العلوم، وانكشفت فيه كثير من أسرار الكون، تبينت للناس حقائق كثيرة تتعلق بالإشارات القرآنية، لم تكن معلومة من قبل، فازداد الناس تعلقا بتلك الإشارات، وقامت بشأنها أبحاث متخصصة يقوم بها علماء مسلمون في شتى فروع المعرفة، وقامت دعوة تهدف إلى الإكثار من هذه الأبحاث، من أجل إقناع غير المسلمين بالإسلام، عن طريق إثبات صدق القرآن، وأنه وحى منزل من عند الله، إذ لم تكن المعلومات الواردة فيه معروفة للبشرية كلها من قبل، فيستحيل أن يكون محمد - صلى الله عليه وسلم - هو مؤلف القرآن من عند نفسه كما يزعم المستشرقون وغيرهم من أعداء الإسلام. وهو اتجاه سليم في ذاته، وقد أسلم على هداه بعض الناس بالفعل، كذلك الطبيب التايلندى الذى قرأ بحثا من هذه الأبحاث عن أطوار الجنين، يدور حول الآية الكريمة:
(( ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ) ) [6] 0
فذهل الرجل .. وقال إن هذا الطور من أطوار الجنين، الذى يكون فيه كالمضغة لم يكن معروفا للبشرية كلها قبل عشر سنوات فحسب، وإنما عرف بعد اختراع أجهزة تراقب تطور الجنين في داخل الرحم وهو حى، فلا يمكن أن يكون محمد - صلى الله عليه وسلم - قد قال هذا الكلام من عند نفسه، ولابد أن يكون وحيا من عند الله. ثم قام فقال: أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله0
(1) سورة فصلت: 53
(2) سورة النمل: 93
(3) سورة ص: 88
(4) سورة البقرة: 26
(5) سورة آل عمران: 7
(6) سورة المؤمنون: 14