الصفحة 99 من 104

نعم! ولكن هناك في هذا الاتجاه محاذير 00 فبعض الناس تدفعهم الحماسة فيتلفقون كل نظرية علمية يظنون فيها تأييدًا أو إثباتًا لإشارة من الإشارات الواردة في القرآن، فيسارعون إلى تبنيها، ويفسرون الآيات القرآنية على هداها .. وليس كل ما يقال في الساحة العلمية حقائق! فبعضها لا يزيد على فروض علمية، وبعضها ما زال في طور النظرية لم يصل إلى حد أن يصبح حقيقة علمية موثوقا بها. فإذا ربطنا تفسيرنا للآيات القرآنية ببعض هذه الفروض أو النظريات، ثم تبين بعد حين من الوقت أنها لم تكن صحيحة، فإننا نقع - من حيث لا ندرى - في الغلطة التى وقعت فيها الكنيسة في العصور الوسطى، إذ تبنت أفكارا علمية كانت سائدة يومئذ، ففسرت بها ما جاء في التوراة والإنجيل؛ وكذبوا كل ما كان فيهما مما بقى على أصله المنزل، وما حرف، ومما أسئ تأويله، فجعلوها كلها أكاذيب!

والقرآن غنى بدلائل الإعجاز فيه، سواء الإعجاز البيانى الذى تحدى الله به البشر جميعًا، والبلغاء في أولهم، فعجزوا عن الإتيان بمثله، أو بألوان الإعجاز الأخرى التى تحدثنا عن بعضها في هذا الكتاب. ولا يحتاج أن نتلمس له أسانيد من النظريات العلمية المتداولة اليوم، التى قد يظهر بطلانها غدا. ولكن لا بأس أن نأخذ الحقائق العلمية التى ثبتت صحتها، والتى نجدها متوافقة مع ما جاء في القرآن، أو مفسرة له فنعتمدها، ونتخذها دليلا يضاف إلى الأدلة القائمة من قبل على أن هذا القرآن وحى ربانى، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .. على ألا نتعسف في ربط تفسير الآيات بكل شاردة وواردة مما يسمى علما .. كما حاول بعضهم أن يفسر قوله تعالى: (( وقد خلقكم أطوارًا ) ) [1] . بما يتفق مع نظرية دارون في التطور. بينما أصحاب النظرية ذاتهم يتشككون اليوم في صدقها، وينحون في تفسير الحياة على الأرض منحى غير منحى دارون!!

والآن بعد هذه المقدمة التى نراها ضرورية، نأخذ في عرض بعض دلائل الإعجاز العلمى في كتاب الله!

يقول تعالى في وصف الجبال إنها أوتاد 00

(( ألم نجعل الأرض مهادًا(6) والجبال أوتادا )) [2] 0

وهذه الحقيقة العلمية لم تعرف إلا منذ أمد قصير، بعد ما أمكن تصوير باطن الأرض بالوسائل الحديثة التى لم تكن معروفة قبل القرن العشرين، بل قبل النصف الأخير من هذا القرن .. إذ وجد أن الجبل ليس هو الجزء الظاهر منه فوق سطح الأرض فقط، بل إنه مغروس كالوتد في باطن الأرض، وأن الجزء المغروس منه مدبب كالوتد، ليثبت الجبل مكانه. وأنه لولا جذر الوتد الغروس في باطن الأرض - فى (( اللافا ) )السائلة - ما ثبت الجبل مكانه! وهذه الحقيقة لم تكن معروفة للعرب- ولا لغيرهم - وفت نزول القرآن، حتى يقال إن محمدا صلى الله عليه وسلم اقتبسها من علوم عصره .. إنما هى إحدى الإشارات القرآنية الكونية التى وعد الله البشر أنهم سيعلمونها في يوم من الأيام، ويعلمون أنها حق، ويتبينون أنها وحى من عند الله0

وفيما يختص بالجبال كذلك، هناك حقيقة أخرى لم تعرف إلا منذ عهد قريب، وهى الواردة في قوله تعالى: (( وألقى في الأرض رواسى أن تميد بكم ) ) [3] 0

فمهمة الجبال في الأرض، التى خلق الله الجبال من أجلها هى ترسية الأرض، ومنعها أن تميد بالناس! فهى بجذور أوتادها المغروسة في اللافا السائلة في باطن الأرض هى التى تحفظ توازن الأرض، وتجعلها مستقرة يستطيع البشر أن يعيشوا فوقها، وينشطوا نشاطهم، ويبنوا ما يبنونه من منازل ومنشآت .. ولولاها لظلت الأرض تميد بالناس، وترتج بهم ذات اليمين وذات اليسار، بما تحدث منه نماذج خفيفة في الزلازل بين الحين والحين 00

وبصدد تلك الرواسى أيضًا جاء في سورة الرعد:

(1) سورة نوح: 14

(2) سورة النبأ: 6،7

(3) سورة النحل: 15

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت