فطرة الإنسان ثابتة، ولكن حياته الواقعية يمكن أن تأخذ أشكالا شتى، في الزمن الواحد، وفى الأزمنة المختلفة0 ولكنها في جميع أشكالها، تدور حول المحاور الثابتة في كيان الإنسان0
مع فارق أساسى بين الكون المادى وبين الإنسان: أن الكون المادى ليس له إلا طريق واحد، لا يغيره، ولا يملك تغييره، لأنه لا إرادة له فيه:
(( ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين ) ) [1] 0
أما الإنسان فإن له طريقين، طريق الهدى وطريق الضلال، وله القدرة على التمييز بين الطريقين، والقدرة على اختيار أحدهما:
(( وهديناه النجدين ) ) [2] 0
(( إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا ) ) [3] 0
(( ونفس وما سواها(7) فألهمها فجورها وتقواها (8) قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها )) [4] 0
وهذا من التكريم الذى كرم الله به الإنسان، فليس مقهورا على الطاعة كالسموات والأرض، ولكنه يطيع باختياره وإرادته00 ويعصى إذا شاء، باختياره وإرادته:
(( ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم ) ) [5] 0
بعبارة أخرى إن الكون كله- بما فيه الإنسان- مفطور على العبادة:
(( فطرت الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ) [6] 0
ولكن الإنسان من بين الكائنات له حالتان: حالة يكون فيها على فطرته السوية، فيعبد الله حق عبادته، وحالة تفسد فيها فطرته ويمرض قلبه، فيعبد آلهة أخرى غير الله، معه أو من دونه، بأى لون من ألوان العبادة التى يزينها الشيطان، فيصبح عابدا للشيطان بدلا من أن يكون كبقية الكون كله عابدا لله00
ومن ثم تفترق طريق البشر شعبتين لا التقاء بينهما: الشعبة التى يعبد فيها الله، والشعبة التى يعبد فيها الشيطان؛ وجيلا وراء جيل، يسلك فريق من البشر هذا الطريق ويسلك فريق آخر الطريق الآخر00
وتلك قضية البشرية الأساسية0
أما قضية الثبات والتطور، التى يلوكها (( التطوريون ) )، فهى ذات منحى مختلف0
يزعمون أن الإنسان ليس له كيان ثابت0 ليس له (( فطرة ) )إنما هو نتاج ظروفه وبيئته؛ وحيث إن الظروف دائمة التغيير، وأشكال البيئة لا تثبت على حال، فلا يمكن أن يكون هناك شئ ثابت في حياة البشر0 ولا يمكن أن تحكمه شريعة- ولو كانت منزلة من عند الله، ولو كانت مناسبة لوقتها تمام المناسبة- لأن الظروف تتغير، فيتغير تبعًا لها (( الإنسان ) )، فيصبح إنسانا جديدا غير الإنسان الذى أنزلت له الشريعة في حينها، وكانت في وقتها مناسبة لأحواله0
وهذه هى اللوثة التى أصابت الفكر الأوربى ابتداء من النصف الثانى من القرن التاسع عشر إلى هذه اللحظة، وما تزال تعيث فسادا في الأرض00
ونظرة موضوعية بسيطة تدحض هذه اللوثة وتفندها00 وخذ هذه (( الحقائق ) )على سبيل المثال:
فى فطرة الإنسان أن يحب الحياة، ويحب لو طالت حياته على الأرض، ويحب أن يستمتع بحياته00 هل تغير هذا الخط من خطوط الفطرة حين صعد الإنسان إلى القمر، وحين صار يضغط على زر فينطلق في الفضاء؟
فى فطرة الإنسان أن يحب التملك .. فهل تغير هذا الخط من خطوط الفطرة حين تقدم علمه وامتد إلى الآفاق؟
فى فطرة الإنسان أن يحب أن يأوى إلى مسكن يقيه البرد والحر، ويشعر فيه بالخصوصية، ويشعر فيه بأنه آمن من أن يطلع أحد على حياته الخاصة أو ينفذ إليها بصورة من الصور .. فهل تغير هذا الخط من خطوط الفطرة؟
(1) سورة فصلت: 11 0
(2) سورة البلد: 10 0
(3) سورة الإنسان: 3 0
(4) سورة الشمس:7 - 10 0
(5) سورة الحج: 18 0
(6) سورة الروم: 30 0