فى فطرة كل جنس أن يميل إلى الجنس الآخر ويشتاق إلى الاجتماع به .. فهل تغير هذا الخط من خطوط الفطرة؟
فى فطرة الإنسان أنه لا يكتفى بما فى (( المعرفة ) ).. يتعرف على بيئته، ثم يتوسع في المعرفة ويحب لو أنه يعرف كل شىء عن كل شىء .. فهل تغير هذا الخط من خطوط الفطرة؟
فى فطرة الإنسان أنمه لا يكتفى بما في يديه من الأدوات بالصورة التى هى عليها، إنما يحب أن يحسنها ويجملها على الدوام .. فهل تغير هذا الخط من خطوط الفطرة؟
وعشرات أخرى من (( النوازع الفطرية ) )، التابعة من ا لفطرة التى فطر الله الناس عليها .. هل تغير منها شىء حين دخل الإنسان (( الألفية الثالثة ) )التى يطنطن بها (( التطوريون ) )؟
نعم .. بعض هذه النوازع - وليس كلها - تغيرت وسائل الاستجابة إليها، وتغيرت صور الاستجابة .. فهل تغيرت أصولها ومنابتها؟!
يسكن الإنسان في كوخ .. ويسكن في خيمة .. ويسكن في بيت من الطين .. ويسكن في قصر مزين بكل أنواع الزينة .. ما الذى تغير؟ الصورة أم الجوهر؟
ولا أحد ينكر أن تغير الصورة يحدث تغيرات في المشاعر والأفكار وأنماط السلوك، ولكن من السذاجة أن نظن أن التغير يتجاوز القشرة، ويصل إلى المنابت والمنابع، فيغير النزعة الفطرية من أساسها، فيلغيها مسارها في داخل النفس .. وذلك فضلا عن حقيقة نفسية أخرى، هى أن الحس البشرى يتبلد بعد فترة على (( الصورة ) )التى تتكرر أمامه، فلا تعود تحركه كما حركته أول مرة، ولا يعود يتأثر بها كما تأثر حين كانت جديدة عليه، بل يخفت تأثيرها رويدا رويدا .. بينما يبقى المؤثر الحقيقى الدائم هو (( الجذر ) )الذى تنبت منه النزعة الفطرية .. وهو الذى لا يتغير، ولا يفتر، ولا يكف عن إعطاء دفعته طالما كان الإنسان باقيا عل حيويته ووعيه، حتى وإن فقد بعض قدراته .. لأنه هناك في عمق الفطرة، وليس شحنة عارضة تذهب نبعد حين! 0
ومن جانب آخر ينبغى أن نسأل: لماذا يخترع الإنسان مخترعات جديدة، ولا يكف عن الاختراع؟
إن نزعة الاختراع هى ذاتها نزعة فطرية، ناشئة من الرغبة الدائمة في التحسين والتجميل، وقد أودعها الله في الفطرة من أجل أن يسعى الإنسان دائمًا إلى الارتقاء بحياته إلى مستوى الإحسان، ولا يقف عند مستوى الضرورة، لا في المشاعر ولا في المحسوسات:
(( إن الله كتب الإحسان على كل شىء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته ) )! [1] 0
فمن أجل تحسين الحياة وتجميلها ليصل إلى درجة الإحسان يخترع الإنسان على الدوام أدوات جديدة ووسائل جديدة .. فهل يخترعها عبثا أم لتلبية دافع في داخل النفس؟
لماذا اخترع الإنسان السيارة والقطار والطائرة والصاروخ؟ أليس لأن في داخله رغبة في الانتقال السريع من مكان إلى مكان 00 بل رغبة أن لو استطاع أن يغمض عينيه ويفتحهما فإذا هو في المكان الذى يريد أن ينتقل إليه؟
نعم 00 إن كل اختراع حين وجد أحدث تغييرات في صورة الحياة وأشكالها ربما لم تكن تخطر على البال بنفس الصورة قبل أن تتحقق، ولكنه ما لم يلب رغبة أصيلة في النفس، فلن يقدر له أن يعيش! فالذى يحرك الحياة إذن ليس هو المخترعات في ذاتها، إنما هو الدوافع الفطرية الكامنة )) التى أدت إلى الاختراع 00
وتلك الدوافع هى (( الفطرة ) )التى يستوى فيها راكب الجمل وراكب الصاروخ، وإن اختلفت صورة التلبية بين راكب الجمل وراكب الصاروخ!
(1) اقرأ إن شئت فصلا بعنوان (( فليرح ذبيحته ) )فى كتاب (( قبسات من الرسول ) )يشرح أبعاد هذا الحديث من أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -