الصفحة 92 من 104

ولكن الاختلاف الجذرى الذى يفرق بين إنسان وإنسان ليس هو اختلاف الوسيلة المادية التى يلبى بها دوافعه الفطرية بقدر ما هو نوعية الدوافع ذاتها في داخل النفس، وترتيب أهميتها في القائمة، أيها أكبر قيمة من الأخرى0

ومن هنا لا ينقسم الناس في ميزان القيم إلى راكب صاروخ! إنما ينقسمون إلى راكب جمل مؤمن وراكب جمل كافر، وراكب صاروخ مؤمن وراكب صاروخ كافر .. وهكذا، في كل مجال من مجالات الحياة 0

(( هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ) ) [1] 0

والمؤمنون كلهم من راكب الجمل إلى راكب الصاروخ لهم سمات مشتركة، وإن اختلفت صور حياتهم، والكافرون كلهم من راكب الجمل إلى راكب الصاروخ لهم سمات مشتركة وإن اختلفت صور حياتهم0

وهذا الاختلاف الرئيسى بين الفريقين لا يلغى الفروق الجزئية الكائنة بين أفراد كل فريق، الناتجة عن اختلاف صور حياتهم، ولكنه يفقدها كثيرا من وزنها المبالغ في تقديره عند التطوريين0

لقد وضع التطوريون كل الثقل في الفروق الجزئية الناشئة عن اختلاف الصور المعاشة، وركزوا عليها وقسموا التاريخ البشرى على أساسها، فهذا العهد الرعوى، وهذا العهد الزراعى، وهذا العهد الصناعى، وهذا العد الذرى .. وكان هدفهم من ذلك نزع الثقل من (( القيم ) )التى تحكم حياة الناس، لأنهم لا يؤمنون بتلك القيم، ويعملون على تحطيمها، لغايات خبيثة في نفوسهم، لا لأن هذا هو الحق، ولا لأن النظرة الموضوعية تؤدى إلى ما زعموه0

ومحك القضية على أى حال هو الصورة التى آلت إليها حياة الناس حين فقدوا القيم أو أهملوها، وعنوا بأشكال الحياة الظاهرة، وجعلوها هى القيم البديلة0

وأوربا - في جاهليتها المعاصرة - يمكن أن تقول نأى شىء ويمكن أن تفعل أى شىء، ولو أدى إلى تدمير حياتها من أساسها00 أما التطوريون الذين يحملون أسماء إسلامية، فما خطبهم؟!

ألا يراجعون ضمائرهم؟

نسألهم سؤلا واحدا، نطلب منهم أن يكونوا أمناء مع أنفسهم في الإجابة عنه: أيهما أفضل وأعلى وأرفع وأقوم: جيل الصحابة رضوان الله عليهم، أم هذا الجيل النكد الذى يعيشون فيه؟

ثم نرتب على السؤال سؤالا آخر: هل الفارق الحقيقى بين جيل من البشر وجيل كامن في القيم التى يتمسكون بها ويعيشون على هداها، أم في ثورة التكنولوجيا وثورة المعلومات؟!

ولا يحسبن أحد أننا نريد بقولنا هذا أن نلغى قيمة التقدم المادى والعلمى والتكنولوجى الذى أحرزته البشرية بجهادها الطويل 00

كلا 00 على الإطلاق!

فالمتخلف عن الركب في هذه الشئون كلها مخطئ في الميزان الربانى. فقد خلق الله الإنسان لعمارة الأرض:

(( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ) ) [2] 0

وأعطاه من الأدوات ما يعينه على هذا الأمر:

(( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) ) [3] 0

ثم سخر للإنسان طاقات السموات والأرض

(( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه ) ) [4] 0

فإذا قصر في استخدام الأدوات التى وهبها له الله، وقصر في عمارة الأرض، وقصر في تحقيق ما سخر الله له من طاقات السموات والأرض، فهو مخطئ ومقصر بكل تأكيد 00

ولكن دعنا نعقد مقارنة بين رجلين، أحدهما متخلف عمرانيًا وتكنولوجيا وماديا، ولكنه عفيف، لا يفكر في العدوان على غيره، عفيف في تناوله لطيبات الحياة لا يسطو على عرض، ولا يسطو على حق إنسان آخر في الحياة، والثانى متقدم ماديًا، ينبع التقدم المادى من بين أظافره، ولكنه يبيح لنفسه - أو لشعبه - أن يقتل ويسفك الدماء في سبيل السيطرة والعلو، ويبيح لنفسه - أو لشعبه- أن يتحكم في أقدار الناس والشعوب 00

(1) سورة التغابن: 2

(2) سورة هود: 61

(3) سورة النحل: 78

(4) سورة الجاثية: 13

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت