كلاهما مخطئ ولا شك، ولكن أيهما خطؤه أكبر واخطر، وأيهما جرمه أكبر وأخطر0
ونعود الآن بعد هذه الجولة إلى قضية الشريعة الربانية المنزلة قبل أربعة عشر قرنا، وموقفها من (( الإنسان ) )وموقف الإنسان منها، على ضوء قضية الثبات والتغير )) [1] 0
إذا تبين لنا من البحث الموضوعى أن في الحياة البشرية أصولا دائمة لا تتغير، هى المركوزة في أصل الفطرة، وصورًا متغيرة من الممارسة لبعض النوازع الفطرية (( وليس كلها ) )مع ثبات أصولها ومنابعها في الفطرة، فما الطريقة المثلى لتنظيم الحياة البشرية على أسس سليمة تتجاوب مع تلك الفطرة في ثوابتها ومتغيراتها: تثبيت الشريعة في مجالات الحياة كافة بصرف النظر عما يجد في حياة البشر؟ أم تركها تتغير في جميع مجالاتها كلما عن للبشر أن يغيروا؟ أم تثبيت ما من شأنه الثبات، وإتاحة المجال للمتغيرات أن تتغير مع تثبيت الأصول التى تحكمها في تغيرها؟
هنا - في هذا المجال بالذات - يتجلى لنا عنصر من عناصر الإعجاز في التشريع الربانى0
فى الحياة البشرية ثوابت ليس من شأنها أن تتغير لأن تغيرها يفسد حياة الناس.
وهذه نصت عليها الشريعة نصا صريحا ملزما. وهناك متغيرات ليس من شأنها أن تثبت على صورة معينة لأن تثبيتها يجمد الحياة ويعوقها عن النمو السوى، وهذه - في الشريعة الربانية - مفتوح فيها باب الاجتهاد، مع تثبيت الأصول التى تحكمها، بحيث لا تحل حرامًا، ولا تحرم حلالًا، ولا تصادم مقاصد الشريعة0
وبهذا تواكب الشريعة حركة البشرية في جميع خطواتها، وتضبط منطلقها في ذات الوقت، فلا تأسن من الجمود، ولا تجنح إلى الانحراف0
هناك الضرورات الخمس: حفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ النفس، وحفظ العرض، وحفظ المال. هذه ثوابت لا تخضع للتغير، لا من حيث الجوهر ولا من حيث الصورة، لأن أى تغيير فيها يفسد الحياة0
ومن حفظ الدين تحكيم الشريعة، وتحريم الردة 0
ومن حفظ العقل تحريم المسكر والمخدر 0
ومن حفظ النفس تحريم القتل والعدوان 0
ومن حفظ العرض تحريم الفاحشة وما يقرب منها أو يؤدى إليها.
ومن حفظ المال تحريم السرقة والغش وأكل أموال الناس بالباطل0
وتتعلق بهذه جميعا حدود لا تتغير فيها، ولا استبدال لغيرها بها0
ثم هناك ثوابت أخرى ناشئة من ثبات أركانها وعدم قابليتها للتغيير، كعلاقات الأسرة، وعلاقات الجنسين، وعلاقات المجتمع الإسلامى بعضه ببعض، وعلاقات الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم0
وتلك كلها تحكمها قواعد ثابتة ونصوص تفصيلية غير قابلة للتغيير 0
وهناك بعد ذلك أمور كثيرة تتغير صورتها على الدوام، نتيجة تفاعل العقل البشرى مع الكون المادى، واكتساب الإنسان خبرات جديدة من خلال هذا التفاعل .. فتتغير الصورة السياسية، والصورة الاقتصادية، والصورة الاجتماعية، ولكنها في تغيرها الدائم لا ينبغى لها أن تخرج على القواعد العامة التى تحكمها، والمنصوص عليها في كتاب الله (والسنة مكملة وشارحة، وهى من الوحى الربانى) 0
وهكذا تنمو المجتمعات نمو سويا، وتتغير بعض الصور في حياتها من جيل إلى جيل، ومن طور إلى طور، ولكن أصولها لا تتغير .. فتظل الشريعة عاملة في حياتها، لا تحتاج إلى تبديل ولا تتغير ولا تعديل، بينما يظل باب الاجتهاد مفتوحًا لتغطية ما يجد من أمور في حياة الناس بغطاء الشريعة الدائم الذى لا يتغير، وتظل الأمة محافظة على إسلامها بمحافظتها على عقيدتها وشريعتها، ومحافظة في الوقت ذاته على رضوان الله، الذى أنزل غضبه على من لم يحكم بما أنزل الله:
(( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون ) ) [2] 0
(1) اقرأ إن شئت حول هذه القضية في كتاب (( التطور والثبات في حياة البشرية ) )
(2) سورة المائدة: 50