(( أفلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا ) ) [1] 0
ثم ننتقل إلى مجالين آخرين من مجالات الإعجاز في الشريعة الربانية، أحدهما يتعلق بقضية الفرد والمجتمع، والآخر يتعلق بقضية الجريمة والعقاب، وهما قضيتان تتداخلان في بعض شئونهما، وإن كان كل منهما له مجاله الخاص0
وقد تكلمنا من قبل عن قضية الفرد والمجتمع في أثناء الحديث عن الإعجاز التربوى في القرآن. ولكنا هنا نتحدث عن الجانب التشريعى، وهما متكاملان في منهج الله، إذ الشريعة ذاتها جزء من منهج التربية الإسلامى0
الفرد في ظل الشريعة يستمتع بما يكفل له الحياة السوية النظيفة المتوازنة0
كرامته محفوظة بالتكريم الربانى:
(( ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) ) [2] 0
فلا يتجسس عليه، ولا يؤخذ بالظنة، ولا يؤخذ بجريرة غيره، ولا يقتحم عليه مسكنه، ولا تنتهك حرماته، وهو برئ حتى تثبت إدانته، ولا يضرب ولا يعذب ولا تقيد حريته بغير موجب، ولابد عند اتهامه من قرائن تؤيد الاتهام، ولكن لا تؤخذ منه الاعترافات قسرا بالتعذيب ولا بالإغراء، ويحاكم - حين يحاكم - بمقتضى الشريعة الربانية لا على هوى من يحاكمه0
وله نشاطه المشروع: يعمل، ويتكسب كسبا حلالا، ويمتلك، ويبيع ويشترى، ويرث، ويورث، ويهب ويتصدق من ما له كما يشاء، لا قيد عليه في شىء من ذلك إلا ما تقتضيه الشريعة0
أما ما يسمى اليوم (( الحقوق السياسية ) )، فهى في الإسلام واجبات 00
فالاهتمام بالشئون العامة واجب: (( من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ) ) [3]
والنصح للحاكم والمحكوم واجب: (( الدين النصيحة. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ورسوله ولعامة المسلمين وخاصتهم ) ) [4] 0
والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب: (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) ) [5] . (( من رأى منكم منكرا فلغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وهو أضعف الإيمان ) ) [6] 0
وله حقه في بيت المال إذا احتاج: (( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ) ) [7] 0
وهكذا تكون الحياة الكريمة مكفولة له منكل جوانبها 00
ولكنه ليس متروكًا على هواه يفعل ما يشاء تحت مظلة (( الحرية الشخصية ) )كما تفعل النظم الليبرالية، التى تدخل في تلك الحرية الشخصية حرية الإلحاد، وحرية التحلل الخلقى، وحرية اكتساب المال الحرام بالربا، وبنشر اللهو والفساد والفجور الذى يدر المال على ناشريه!!
إن تلك (( الحرية الشخصية ) )على هذا النحو كانت جزءا من مخطط إفساد البشرية على يد (( شعب الله المختار ) )، دسوه على الثورة الفرنسية حتى صار جزءا من (( الديمقراطية ) )تحت شعار Laissez Passer, Laissez Faire دعه يعمل (ما يشاء) دعه يمر (( من حيث يشاء ) )، ولم يكن القصد منه الخير للبشرية وإن بدا في أعين الناس يومئذ أنه (( تحرير ) )من القيود الضغوط التى كانت تجثم على صدور الشعوب وتكتم أنفاسها، ولكن المخططين الشريرين كانوا يعرفون أبعاده، فلم يقفوا به عند إزالة الظلم، بل تجاوزوها إلى الإفساد المقصود:
(( ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين ) ) [8] 0
(1) سورة النساء: 65
(2) سورة الإسراء: 70
(3) رواه الطبرانى والحاكم
(4) متفق عليه
(5) سورة آل عمران: 104
(6) رواه الشيخان 0
(7) سورة التوية: 60
(8) سورة المائدة: 64