الصفحة 95 من 104

وفى الوقت الذى تكفل الشريعة للفرد كرامته، وتعطيه حقوقه المعقولة، فإنها تحفظ للجماعة كيانها كذلك. فللجماعة حق التقويم للفرد الذى يتجاوز حدوده المشروعة، فيتعدى على حرمات الله، أو يعيث في الأرض فسادا، أو يؤذى غيره، أو يأتى بمنكر لا تقره الأعراف المستمدة من الشريعة، وليس له أن يحتج على الناس بأنه حر يفعل ما يشاء 00

وليس هنا مجال تفصيل ما يحق للحاكم وما يحق لأفراد الأمة من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والأخذ على يد المعتدى، ومرتكب المنكر، فتلك مباحث متخصصة تطلب في كتب الفقه، إنما نتحدث هنا عن الخطوط العريضة التى تثبت حق الجماعة على الفرد. بما يمنعه من الطغيان، وإيقاع الضرر والأذى على الآخرين، ويمنعه من الخروج على العرف، وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، وتزيين المنكر بالقول أو العمل، وتزيين الخروج على أوامر الله، والدعوة إلى الفساد من أى نوع فكريًا كان أو اجتماعيًا أو أخلاقيًا أو اقتصاديًا أو سياسيًا .. فمن حق الجماعة أن تحمى نفسها من ذلك الشر كله، وحقها في ذلك مقدس كحق الفرد 00

ولكن مزية المنهج الربانى أنه لا يصنعكما تصنع النظم الشمولية، التى تسحق الفرد تحت ثقلها، فتحرم عليه أن يفتح فمه بكلمة نقد للحاكم. أو حاشيته، وتراقبه حتى في خلوته، وتعد عليه أنفاسه، وتتجسس نعليه، وتتعامل معه دائما على أنه مجرم يتوقع منه عمل الشر في كل لحظة، وعليه هو أن يثبت براءته في كل لحظة!

(( إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم ) ) [1] 0

ولقد كان عمر رضى الله عنه، وهو من هو في هيبته التى أضفاها الله عليه، يقبل النقد، ويقول لمن أراد أن يمنع أحد الرعية من قولة ينتقد فيها الخليفة: دعه! فلا خير فيهم إن لم يقولوها لنا، ولا خير فينا إن لم نسمعها منهم! ويقبل من سلمان الفارسى رضى الله عنه أن يقول له: لا سمع لك اليوم علينا ولا طاعة حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذى ائتزرت به، وأنت رجل طوال لا يكفيك برد واحد كما نال بقية المسلمين! ويقبل من امرأة أن تناقشه في أمر المغالاة في المهور ثم يقول: أخطأ عمر وأصابت امرأة 0

إنما هو التوازن الذى يمنع طغيان الفرد على الجماعة على الفرد، ويؤدى إلى استقرار تحفه البركة، وتجرى فيه الأمور بالقسط:

(( لقد أرسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) ) [2] 0

أما قضية الجريمة والعقاب فللشريعة فيها توازن مماثل 00

إنها لا تقسو على الفرد لحساب الجماعة (وإن ظن بعض الجهال ذلك بالنسبة للعقوبات الإسلامية) ، ولا تدلل المجرم كذلك حتى تجعله مجنيا عليه من المجتمع كما تفعل النظم التى تأثرت بمباحث علم النفس التحليلى، الذى يحسن أن نسميه (( علم تبرير الجريمة ) )لأن هذا ما يؤدى إليه بالفعل!

إنما تنظر الشريعة إلى الجريمة والعقاب بعين الفرد وعين الجماعة معًا في ذات الوقت0

إن الإسلام لا يبدأ بفرض العقوبات الرادعة كما يظن الذين يقرءون النصوص القرآنية بغير تدبر، فيجدون فيها مثلا: (( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله ) ) [3] 0 ويجدون فيها: (( الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) ) [4] 0 ويجدون فيها: (( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) ) [5] 0

(1) رواه أحمد وأبو داود والحاكم 0

(2) سورة الحديد: 25

(3) سورة المائدة: 38

(4) سورة النور: 2

(5) سورة المائدة: 33

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت