الصفحة 96 من 104

إنما يعمل الإسلام أولا لمنع الأسباب التى تؤدى إلى الجريمة، بأن يكفل للفرد كل الضمانات المعقولة التى من شأنها أن تجعل الفرد السوى لا يفكر في الجريمة أصلا، ولا يجد مسوغا لها. فإذا ارتكب الجريمة بعد ذلك، فهو غير معذور. ثم إن العقوبة الرادعة التى تقررها الشريعة هى ذاتها وسيلة لأن تجعل الجانى يفكر مرات قبل أن يقدم على الجريمة، فإذا أقدم بعد ذلك، وليس له عذر ولا مسوغ معقول، وفيه استهتار وعدم مبالاة، فالإشفاق عليه، وتخفيف العقوبة عنه، يعدان نشر للجريمة في الواقع وتشجيعا عليها، ولا يعتبر علاجا ناجعا لحماية المجتمع من الجريمة. والواقع الذى يعيشه الغرب، الذى يأخذ بنظريات علم النفس التحليلى، والدراسات الاجتماعية التى تنظر بعين الفرد ضد الجماعة، يشهد بصدق ما نقول. فالجرائم هناك من الكثرة والشيوع بحيث تعد بالثانية، لا باليوم ولا بالساعة ولا بالدقيقة، فيقال: تحدث في كل ثانية كذا جريمة قتل، وكذا جريمة سرقة، وكذا جريمة اغتصاب، وكذا .. وكذا، من صنوف الجرائم!

إن الإسلام ينظر في دوافع الجريمة عند الفرد فيعمل على تلافيها قبل وقوعها، أو جعل مرتكبها غير معذور في ارتكابها، فإن وجد أنه معذور فعلا فالشريعة تقول: (( ادرءوا الحدود بالشبهات ) ) [1] !

دافع السرقة هو الجوع 00 والإسلام يسعى - بوسائله المختلفة - ألا يكون في المجتمع جائع يضطره الجوع إلى السرقة، فإن وجد الجوع فإنه يدرأ الحد، كما فعل عمر رضى الله عنه، في عام الرمادة، حين جاع الناس، فأوقف تطبيق حد السرقة لوجود الشبهة، ولم يكن ذلك منه إبطالًا للشريعة كما يرجف المرجفون، إنما كان هو التطبيق الواعى الصحيح لشريعة الله0

ودافع الزنا فورة الغريزة .. والإسلام يسعى - بوسائله المختلفة - لإتاحة المنطلق الطبيعى النظيف لفورة الغريزة بتيسير الزواج والحث عليه والتبكير نفيه، وبتوجيه طاقات الشباب إلى ميادين للعمل والنشاط تستوعب جزءا من الطاقة وتخفف الحمل على الأعصاب، ثم بتحريم التبرج في المجتمع، الذى هو المحرض الأكبر على الفاحشة .. وكذلك بتربية الناس على مخافة الله، والتوجه إليه بالعبادة، وتربيتهم كذلك على الصبر على المكاره حتى يأتى الفرج من عند الله .. وعندئذ لا عذر لمن يعتدى على أعراض الناس 0

وكذلك الجرائم الأخرى، لكل منها دوافع، والإسلام يسعى أولا لسد الذرائع، حتى لا يكون لمرتكب الجريمة عذر في ارتكابها، فإذا ارتكبها وهو غير معذور أقيم عليه الحد، وإن كانت له شبهة فالشبهة تدرأ الحد 00

نظام دقيق .. يأخذ الأمر من جميع زواياه في آن واحد؛ فلا ينكل بالجانى لمجرد التنكيل، ولا يدلله كذلك فيشجعه على الاستهتار بأرواح الناس وممتلكاتهم وأعراضهم وأمنهم ومصالحهم0

وفى المجتمع الإسلامى الذى يطبق الشريعة تقل الجرائم بصورة ملحوظة، ويسود الأمن والاستقرار والطمأنينة، وتحف البركة حياة الناس تحقيقًا لوعد الله:

(( ولو أن أهل القرى آمنوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) ) [2] 0

ولا يفوتنا أن نذكر في باب الإعجاز التشريعى ذلك الشمول الذى تتميز به الشريعة الربانية، مع خاصية التوازن التى أشرنا إليها من قبل 0

من مجال من مجالات الحياة إلا للشريعة مدخل فيه .. فهو - بالضرورة - واقع في واحد من هذه الأبواب الخمسة: حرام أو حلال أو مباح أو مندوب أو مكروه .. سواء أكان مجالًا اقتصاديًا أم سياسيًا أم اجتماعيًا أم أخلاقيًا أم فكريًا، أم ما يكون من ألوان النشاط البشرى في الأرض00

وذلك من الإعجاز!

(1) رواه أبو يعلى والبيهقى وابن ماجه، وعبد الرازق والطبرانى وابن أبى شيبه 0

(2) سورة الأعراف: 96

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت