الصفحة 16 من 104

وفى كلمة واحدة من كلمات الآية ينكشف الوضع كله، وتتضح معالمه، وتتبين أسبابه:

(( ورثوا الكتاب ) )0

هذا سر الموقف كله 00

لقد صار الكتاب الذى يحمل الوحى الربانى تراثًا، يحتفظ به، ويعتز بذكراه، ويتفاخر به، ولكن لا يعمل به في واقع الحياة

إنه كتاب الآباء والأجداد، ولكنه ليس كتابهم هم! وهم ورثوه عن الآباء والأجداد، ولكنهم لا يعدونه موجها إليهم، ولا ملزما لهم ليعملوا به! إنما التزام به الآباء والأجداد الذين أنزل إليهم. أما هم ففى واد آخر، وفى شغل آخر، لا علاقة له بالكتاب! إنهم يبحثون عن عرض الحياة الدنيا، وذلك شغلهم الشاغل. ولكنهم في الوقت ذاته متعلقون بذكرى الكتاب! وذكرى الكتاب توهمهم أنهم لن يعاقبوا على أعمالهم التى يرتكبون فيها ما حرم الله، لأن ذكرى الكتاب ستحميهم من ذلك العقاب، وستجلب لهم مغفرة الرب الذى يكفرون به وبآياته، ويزعمون في الوقت ذاته أنهم أبناؤه وأحباؤه!

(( ويقولون سيغفر لنا ) )0

والانشغال بعرض الدنيا ليس أمرا عارضا في حياتهم إنما هو دينهم: (( وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) )فهم يسعون دائمًا إليه، وإن جاءهم لا يفوتونه!

وليس شىء من ذلك كله عن جهل منهم بما أمرهم به الله وما نهاهم عنه .. فهم يعرفون ذلك جيدًا. فقد درسوا الكتاب .. ولكنها دراسة التراث لا دراسة العمل والتنفيذ! ويختم السياق بتذكيرهم بالحقيقة الغائبة عن حسهم: (( والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ) )0

إنها آية واحدة، ولكنها تصف حال أمة بأكملها، وتصفها الوصف الذى يكشف نقاط الخلل فيها، ومظاهر الانحراف وأسبابه: وراثة الكتاب، والانكباب على عرض الحياة الدنيا، ونسيان الآخرة00

هل بقى شىء من حال تلك الأمة لم تبينه تلك الآية المعدودة الألفاظ؟

ألا إنه إعجاز 00

تلك مجرد نماذج من الإعجاز البيانى في القرآن الكريم، من ألوان مختلفة، في مجالات مختلفة. والقرى، حافل بمثل هذه النماذج، إلى درجة لا يملك حس ألا يتأثر بها، أو أن يتغافل عنها. فلا عجب في أن يكون القرآن هو معجزة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى القوم الذين يعتزون بفصاحتهم، ويتيهون بها على الخلق. ولا عجب في أن يتحداهم فيعجزوا عن إجابة التحدى، ولو جحدوا بها كبرا وعنادا وجفاء وقسوة قلب0

ولكن الإعجاز في القرآن الكريم لا ينتهى عند هذا الحد .. وإنما هذه بدايته!

إن الإعجاز البيانى هدف مقصود بذاته، يتحدى المنكرين والمعاندين، ليعلموا في دخيلة أنفسهم صدق الرسالة وصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولتقوم عليهم الحجة ولو جحدوا وأنكروا ..

ولكنه في الوقت ذاته وسيلة لغايات أخر!

إنه وسيلة للدعوة. ووسيلة لإخراج خير أمة أخرجت للناس. ووسيلة لبيان المنهج الربانى الذى يريد الله للبشرية كلها أن تتبعه لتنعم بالطمأنينة والبركة والفلاح في الدنيا والآخرة00

إن الله يدعو الناس إلى عقيدة التوحيد 00 ولكنه يدعوهم بهذا الأسلوب الفائق الذى يبلغ حد الإعجاز 0

والله يربى الأمة التى آمنت به تربية دقيقة عميقة فذة شاملة تشمل كل جوانب كيانهم. ولكنه يربيها بهذا الأسلوب الفائق الذى يبلغ حد الإعجاز 0

والله يريد أن يضع لهذه الأمة منهج الحياة الذى تسير عليه ليكتب لها التمكين في الأرض، ولتكون رائدة لكل البشرية0 ولكنه يبين لها المنهج بهذا الأسلوب الفائق الذى يبلغ حد الإعجاز0

وهذا نفسه إعجاز فوق إعجاز!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت