وفى عملية الانصهار التى تتم في الابتلاء تذهب أدران النفوس، وتصفو، وتخلص لله، كما يذهب ما يعلق بالذهب والفضة من أوشاب، لا تزول إلا (( بالفتنة ) )على النار، ثم يبقى الجوهر الصافى الذى يستمتع به الناس0
ألا إنه إعجاز 00
يقول تعالى في سورة يوسف:
(( اذهبوا بقميصى هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا وأتونى بأهلكم أجمعين ) ) [1] 0
(( يأت ) ).. من أين يأتى؟! إن المقصود أنه يعود مبصرا في التو واللحظة. ولكن الفعل (( يأتى ) )يظل له إيحاؤه .. فما دلالته؟
إن يعقوب عليه السلام لم يكن م غائبا فيأتى! فهو جالس مكانه لا يريم! ولكنه كان كالغائب .. فحين فقد بصره لم يكن (( حاضرًا ) )فيما حوله، يراه، ويتفاعل معه كما يتفاعل المبصرون! إنما كان (( غائبا ) )ببصره عنه .. وحين يرتد بصيرا فإنه (( يأتى ) ).. يأتى من غيبته التى كان فيها، ويصبح (( حاضرًا ) )فيما يحيط به من أشخاص وأشياء ..
وكلمة واحدة تعطى هذا المعنى العميق كله، وتجعل المشهد يتحرك بحركة (( المجئ ) )بعد (( الغياب ) )!
ألا إنه إعجاز 00
يقول تعالى في سورة النور:
(( الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شىء عليم(35) فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (38) والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب (39) أو كظلمات في بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور )) [2]
إشراقة النور، ونضرة النعيم 00 وهناك ظلمات مدلهمة تحيط بالكفار، تنعدم فيها الرؤية تماما، وتحيط بهم الأعاصير، والموج الرهيب يقلب أجسادهم وأفئدتهم وهم في الظلام لا يرون من أين تأتيهم الأخطار، ولكنها تتناوشهم من كل جانب 00
لا يوجد أنور من هذا النور، ولا أظلم من هذا الظلام!
ولا يوجد أروع من هذا التقابل الذى ترسمه اللوحتان المتقابلتان، اللتان ترسمان بالألفاظ ما تعجز عن تصويره كل أدوات التصوير 00
وفى سياق واحد تتقابل الصورتان جنبا إلى جنب، فتنجذب القلوب إلى النور، ثم تفزع من الظلام فتستدير إلى النور، تستروح فيه الطمأنينة والأنس والإشراق0
ويختم السياق بهذه الحقيقة الهائلة: (( ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور ) )فكل مصدر يلتمس فيه النور غير المصدر الربانى لا ينير، وكل شىء غير نور الله ضلال، بل عبث وانقطاع، ووهم وخداع، ينتهى بصاحبه إلى الضياع في لجة الظلام00
ألا إنه إعجاز 00
يقول تعالى في سورة الأعراف:
(( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ) ) [3] 0
الآية في وصف الأمة اليهودية بعدما أداروا ظهرهم للهدى الربانى، وكفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياءهم بغير حق، وخالفوا أمر ربهم، وأخلدوا إلى الأرض بحثا عن المتاع الرخيص0
(1) سورة يوسف: 93 0
(2) سورة النور: 35 - 40 0
(3) سورة الأعراف: 169 0