ويبدأ المثل يتشكل بصورة أوضح، وذلك حين يقول الله سبحانه وتعالى: (( كذلك يضرب الله الحق والباطل ) )0 فالحق والباطل موجودان متجاورين متلازمين في حياة الناس، بقدر من الله، ولكن لفترة من الوقت، ولمرحلة من المراحل00 ثم يأتى ما قدره الله وما قرره منذ الأزل (( فأما الزبد ... فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) )وتلك هى النهاية التى تستقر فيها الأمور في وضعها الأخير00
ولكى ندرك مرمى المثل لابد أن نشير إلى واقع الدعوة في الفترة المكية، وإلى حال المؤمنين يومئذ [1] 0
كان الباطل منتفشا في مكة، والمشركون ظاهرين، يجولون ويصولون، مزهوين بكثرتهم وقوتهم وغلبتهم على المؤمنين وقهرهم لهم0 والمؤمنون في ضعفهم وذلهم وهوانهم على الناس كما وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاله وهو يشكو حاله إلى الله: (( إليك أشكو ضعفى وذلتى وهوانى على الناس ) )،والعذاب يصب عليهم صبا من جانب المشركين00
هنا مضرب المثل في صورتين: صورة الرابى فوق الماء، والزبد المغشى للذهب والفضة المصهورتين00
ويريد الله سبحانه وتعالى أن يسرى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن المؤمنين الغارقين في العذاب0 إن ما هم فيه ليس هو نهاية المطاف! إنها مرحلة موقوتة00 ثم يتبدل الحال!
فأما السيل فبعد فترة يصفو، وينفثئ الزبد الذى يعلوه، ويذهب جفاء00 يذهب بددا00 ويبقى الماء يسقى الحرث والنسل، وينبت الزرع، وينتفع الناس به، ويفرحون بالخير الذى جاء معه0
وأما الزبد الذى يعلو الذهب والفضة في عملية الصهر فيلقى جانبا، ويذهب بددا، وأما المعدن الصافى فيبقى نقيا خالصا ينتفع به الناس0
ذلك هو المثل. أما الصورة (( الموازية ) )المطلوب إبرازها فهى أن انتفاش الباطل وهيمنة الكفار في مكة زائلان بحول الله وقوته. ويبقى الحق، ويعلو، وينتصر، ويخلص له الجو، ويصبح هو القوة الممكنة في الأرض، ويدخل الناس في دين الله أفواجا، بعد فترة الصراع التى يخوضها الحق مع الباطل: (( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ) ) [2] 0
إنه مثل رائع، يجسد علو الباطل فترة من الوقت، ثم تبدده في النهاية وانتصار الحق ..
ولكن روعته تزداد في الحس حين ينعم الإنسان النظر في تفصيلاته ..
من سنن الله أن يسبق انتصار الحق وتمكنه في الأرض فترة يعلو فيها الباطل ويتنفش. ومن سنة الله في الوقت ذاته أن يبتلى المؤمنون على يد الكفار:
(( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) ) [3] 0
ويبين الله حكة الابتلاء في قوله تعالى: (( وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) ) [4] فمحق الكافرين يأتى بعد تمحيص المؤمنين وتمحيص المؤمنين يأتى من خلال الابتلاء00
وتبلغ الروعة في المثل قمتها في تصوير حالة الابتلاء .. إنها (( فتنة ) )ينصهر فيها المؤمنون كما يفتن الذهب والفضة على الناس [5] ، كما ورد في سورة العنكبوت: (( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون(2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين )) [6] 0
(1) سورة الرعد مختلف في كونها مدنية أم مكية، ويغلب على ظنى، كما بينت في كتاب (( دراسات قرآنية - أنها مكية تحوى آيات مدنية. والله أعلم 0
(2) سورة البقرة: 251 0
(3) سورة العنكبوت: 2، 3 0
(4) سورة آل عمران: 141 0
(5) يقال في اللغة: فتن الذهب والفضة أى صهرهما على النار لينفى منهما الخبث0
(6) سورة العنكبوت: 2،3 0