الصفحة 13 من 104

(( .. وقد أتيناك من لدنا ذكرًا(99) من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرًا (100) خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا ))0

(( .. وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ) )0

نعم .. ولكن!

إن حذف الموصوف (نفس) مع إبقاء الصفة (مثقلة) وتأنيثها، وإطلاقها بغير موصوف معين، يورد على الخاطر صورة المرأة الحامل، المثقلة بحملها .. كم تعانى منه؟!

وإن تدع البشر جمعيا إلى حملها - فضلا عن أولى القربى - فهل يستطيع أحد أن يحمل عنها حملها أو يخفف عنها شيئًا مما تعانيه من ذلك الحمل؟!

إنه حملها الخاص الذى لا يملك أحد على وجه الأرض كلها أن يحمل (( شيئا ) )منه، وهى معاناتها الخاصة التى لا يستطيع أحد أن يعاونها فيها، فضلا عن أن يخففها عنها00

كم تبلغ هذه الصورة في تعميق المعنى المقصود، الذى يرد أحيانا بصيغ أخرى:

(( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) ) [1] ، (( كل نفس بما كسبت رهينة ) ) [2] 00

وكم تؤثر هذه الصورة في نفس من (( كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) ) [3] إنه الإعجاز00

يقول تعالى في سورة الرعد:

(( قل الله خالق كل شئ وهو الواحد القهار(16) أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدًا رابيًا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال ))0 [4]

الأمثال لها وقع خاص في النفوس، لأنها ترسم صورة موازية للمعنى المقصود00 تحوى غالبًا أمورًا من مألوفات الحياة، يستطيع الناس بسهولة أن يتعرفوا عليها ويتمثلوها في أذهانهم0 ثم يقطع الخيال رحلة ممتعة ينتقل فيها من هذه الأمور المألوفة إلى المعنى (( الموازى ) )، فيتجسم المعنى وينبض بالحيوية حين يدرك الإنسان وجه الشبه بينه وبين الصورة الواردة في المثل، ويتضاعف حجمه في الحس لأن الإنسان يراه مرتين: مرة في الصورة المجردة، ومرة في المثل المضروب0

وفى القرآن ترد أمثال كثيرة، تجسم المعانى التى يراد تجسيمها، وتضاعف وقعها في النفوس0 وتجئ الإشارة إلى ذكر الأمثال في القرآن في مثل قوله تعالى: (( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ) )0 [5]

ولكن هذا المثل المضروب في سورة الرعد له خصوصية حتى بين الأمثال:

إنه يبدأ بكلام لا تحسبه في بادئ الأمر مثلا يضرب، لأنه حقيقة واقعة من حقائق (( الطبيعة ) )التى خلقها الله، تجئ في معرض ذكر القدرة الإلهية: (( الله حالق كل شئ وهو الواحد القهار(16) أنزل من السماء ماء000 ))0

ولكن هذه الحقيقة مرتبطة بالمثل0 فهى حقيقة وهى مثل يضرب ذات الوقت00

هذا الماء الذى نزل بقدرة الله سالت منه أودية، كل واد بحسب سعته، وجرى الماء في الوديان فاحتمل السيل زبدا رابيا00 إلى هنا يتم تقرير هذه الحقيقة الواقعة التى تقع في الطبيعة، ويسجل السياق وجود الزبد مع اندفاع الماء، وهذه أيضًا حقيقة تقع في الطبيعة00

ولكن يأخذ المثل في التشكل عند هذه النقطة، ثم يمضى شوطا آخر00

(( ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ) )0

فالزبد ليس حادثا فى (( الطبيعة ) )فقط، بل فيما يصنع الإنسان كذلك0 فالناس يوقدون على الذهب والفضة، ليصهروهما، ثم يشكلون من المادة المنصهرة حليًا ومتاعا متعدد الأشكال، ولكن ظاهرة الزبد تلاحقهم أيضا فيما يصنعون00 وإلى هنا تقرر حقيقة جديدة: أن الزبد ظاهرة ملازمة سواء في الطبيعة التى خلقها الله، أو فيما يصنع الإنسان بيده00

(1) سورة الإسراء:15 0

(2) سورة المدثر:38 0

(3) سورة ق: 37

(4) سورة الرعد: 16، 17

(5) سورة الروم: 58 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت