ولكن الانقياد لهذه الشهوات لابد أن ينشأ عنه الصراع والصدام بين البشر، ما لم يكن هناك ما يمنع الاحتكاك أو يلطفه. وهنا تنقسم المجتمعات في الجاهلية إلى نوعين: نوع همجى متبربر، لا نظام فيه ولا ضوابط، تؤخذ فيه الأمور بقوة الذراع
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم، ومن لا يظلم الناس يظلم [1]
ونوع (متحضر) تحكمه قوانين، تحدد الطريقة التى يتم بها استمتاع كل إنسان (( بحقوقه ) )، مع تقليل الصراع إلى أقصى حد مستطاع. وإن كانت اهتمامات الناس في تلك الحضارات الجاهلية هى ذات الاهتمامات التى عيشها الناس في المجتمعات الهمجية، وإن طليت بطلاء يزينها في أعين الناس! ثم إن التنظيم الذى يمنع التصادم أو يقلله محدود بحدود (( القوم ) )أو (( الوطن ) )00 أما في محيط البشرية الواسع فالقوة هى الوسيلة المعتمدة، وويل للمغلوب!
هذا في السلوك .. أما في التصورات فخذ هذا النموذج المعبر عن موقف الجاهلية 00 كل جاهلية:
جئت لا أعلم من أين، ولكنى أتيت
ولقد أبصرت قدامى طريقا فمشيت
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أو أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقى؟ لست أدرى! [2]
لو أتيح لسائمة من السوائم أن تعبر بالغة التى نتحدث بها نحن، فماذا كانت تقول غير ما قالته هذه الأبيات؟!
وذلك كله فضلا عن الضلال الروحى والفكرى والسلوكى الذى ينشأ من عقيدة لا تؤمن بالله الواحد، ولا تؤمن بالبعث والنشور، والحساب والجزاء، فتنتهى الحياة في حسها عند الحياة الدنيا، وتنحصر الأهداف في الغلبة والمتاع، وهى ذات الأهداف التى يعيش من أجلها الحيوان، وإن اختلفت الصور، واختلفت الأدوات0
ولا يحسبن أحد أن الجاهلية المعاصرة ناجية من هذه الضلالة. بل هى غارقة فيها إلى الآذان، وإن كان لديها من الأدوات ما تزيف به الواقع، وتزخرفه بشتى الزخارف، وتتحدث به عن (( القيم العليا ) )و (( حقوق الإنسان ) )و (( العدالة ) )و (( الروح الإنسانية ) )و (( حق تقرير المصير ) )00 وعشرات أخرى من القيم الجميلة الخلابة التى لا رصيد لها في عالم الواقع 00 إنما يحكم الواقع قانون الغاب: القوى يأكل الضعيف، أو يزيحه من الطريق. ومن كان في شك من هذا فلينظر إلى قضية واحدة من قضايا الحاضر، قضية الأرض المغتصبة في فلسطين، ووقوف (( القوى العظمى ) )مع المجرم المغتصب ضد صاحب الحق المستضعف المأكول!
ولكنا معنيون هنا بالحدث عن الجاهلية العربية بالذات، التى عاشت آمادًا من الزمن لا يعلمها إلا الله، عاجزة عن تكوين (( أمة ) )، حتى آمنت بلا إله إلا الله، فتكون منها خيرة أمة أخرجت للناس0
نريد أن نتعرف على نوع التغيير الذى حدث فيها، والكيفية التى حققت بها لا إله إلا الله ما حققت من النتائج في عالم الواقع، لا في عالم الوهم، ولا في عالم الشعارات المطلقة في الهواء0
لا إله إلا الله .. إذن فهو إله واحد، ومعبود واحد، ومتجه واحد محدد السمات00
ويكفى هذا لتغيير كل شىء!
(( أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار(39) ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون )) [3] 0
لا إله إلا الله00 فلا تشتت بعد الآن بين الآلهة المتعددة التى تشتت النفس وتمزق وحدتها، فتفقد طمأنينتها، فينشأ القلق والحيرة والاضطرابات النفسية والعصبية، والخمر والمخدرات والجريمة التى تعج بها الجاهليات0
(( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) )0
(1) البيت لزهير بن أبى سلمى
(2) هذه الأبيات للشاعر الجاهلى المعاصر (( إيليا أبو ماضى ) )0
(3) سورة يوسف: 39،40